ملتقى طالبات جامعة جازان

منتدى يهتم بطالبات جامعة جازان
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ملخص الادب المقارن .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: ملخص الادب المقارن .    السبت أبريل 13, 2013 11:48 am

ملخص ماده الادب المقارن

4shared.com/file/ybd36nsQ/___online.html

وراح انزله للي مايفتح معها الرابط
المرفقات
ملخص_الادب_المقارن.docx
لا تتوفر على صلاحيات كافية لتحميل هذه المرفقات.
(140 Ko) عدد مرات التنزيل 34

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
ضوءالقمر
مشرفة
مشرفة
avatar

عدد المساهمات : 37
نقاط : 3731
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 16/09/2012

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الثلاثاء أبريل 16, 2013 5:00 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:03 pm

ملخص مادة :
الادب المقارن – المستوى الثامن 0



تلخيص :
لا تنسوني من خالص دعواتكم 0


ملاحظة :
ذاكروا الملخص كله ولا تركزون فقط على اللي تحته خط وتخلون الباقي الملخص كله مهم واللي تحته خطه هو الاهم ولكن ركزوا وذاكروا كل الملخص

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:05 pm



ملخص الادب المقارن – المستوى الثامن

ماهية الادب المقارن

للادب المقارن مفهوم حديث به صار علما من علوم الادب الحديثة واخطرها شانا واعظمها جدوى 0

وقد كثر الخطا في تحديد هذا المفهوم في دراسته عندنا حتى اليوم وفي نشاته في كثير من الامم مما كان سببا في تعثر خطا الدراسة فيه وتنفير كثير من الدارسين عنه وتضليل الناس في جدواه 0

مدلول " الادب المقارن " تاريخي – ذلك انه يدرس مواطن التلاقي بين الاداب في لغاتها المختلفة وصلاتها الكثيرة المعقدة في حاضرها او ماضيها وما لهذه الصلات التاريخية من تاثير او تاثر ايا كانت مظاهر ذلك التاثير او التاثر : سواء تعلقت بالاصول الفنية العامة للاجناس والمذاهب الادبية او التيارات الفكرية او اتصلت بطبيعه الموضوعات والمواقف والاشخاص التي تعالج او تحاكي في الادب او كانت تمس مسائل الصياغة الفنية والافكار الجزئية في العمل الادبي او كانت خاصة بصور البلاد المختلفة كما تنعكس في اداب الامم الاخرى بوصفها صلات فنية تربط مابين الشعوب والدول بروابط انسانية تختلف باختلاف الصور والكتب : ثم ما يمت الى ذلك بصلة من عوامل التاثير والتاثر في ادب الرحالة من الكتاب 0

والحدود الفاصلة بين تلك الاداب هي اللغات فالكاتب او الشاعر اذا كتب كلاهما بالعربية عددنا ادبا عربيا مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه 0 فلغات الاداب هي مايعتد به الادب المقارن في دراسة التاثير والتاثير المتبادلين بينهما 0

وبناء على تعريف الادب المقارن السابق نلحظ ان تسميته بالادب المقارن فيها اضمار اذا كان اولى ان يسمى (( التاريخ المقارن للاداب )) او (( تاريخ الادب المقارن )) ولكنه اشتهر باسم الادب المقارن وهي تسمية ناقصة في مدلولها ولكن ايجازها سها تناولها فغلبت على كل تسمية اخرى *

* ما اشبه هذا النقص في التسمية بتسمية ( المذهب الرمزي ) في الادب وكان الاول ان يسمى ( المذهب الايحائي ) لانه في جوهره بحث فن الايحاء وفلسفته في الشعر كما لحظ ذلك لويس كازاميان في كتابه 0 وقد كان لتسمية المذهب الرمزي بهذا الاسم عندنا اخطاء جسيمة في فهمه تشبه الخطا في فهم الادب المقارن بسبب تسميته كذلك

* وقد اطلق كبار كتاب اوروبا هذه الاسماء المختلفة على الادب المقارن طوال القرن التاسع عشر ولكن اسم الادب المقارن اكثرها نجاحا وبخاصة بعد ان جرى به قلم الناقد الفرنسي الكبير سانت بوف 0

والادب المقارن جوهرى لتاريخ الادب والنقد في معناهما الحديث لانه كشف عن مصادر التيارات الفنية والفكرية للادب القومي وكل ادب قومي يلقى حتما في عصور نهضاته بالاداب العالمية ويتعاون معها في توجيه الوعي الانساني او القومي ويكمل وينهض بهذا الالتقاء ولكل مناهج الادب المقارن ومجالات بحثه مستقلة عن مناهج تاريخ الادب والنقد لانه يستلزم ثقافة خاصة بها يستطاع التعمق في مواطن تلاقي العالمية وانما يستعين النقد وتاريخ الادب بنتائج بحوثه التي تاتي ثمرة التعمق في دراسة الصلات الادبية العالمية في ذاتها 0

ولا تقف اهمية الادب المقارن عند حدود دارسة التيارات الفكرية والاجناس الادبية والقضايا الانسانية في الفن بل انه يكشف عن جوانب تاثر الكتاب في الادب القومي بالاداب العالمية وما اغزر جوانب هذا التاثر وما اعمق معناها لدى كبار الكتاب في كل دولة وهذا هو ماعبر عنه الناقد الفرنسي ( فيلمان ) في محاضراته في السربون عام 1828 م بانه (( السرقات الادبية التي تتبادلها كل الدول )) على الادب المقارن ارحب افقا واعمق نظرا واصدق نتائج في دراسته للصلات الادبية الدولية من الدراسات القديمة الضيقة الافق والقليلة الجدوى لما كانوا يسمونه : السرقات الادبية 0

وقد كان الباحث الفرنسي ( جون جاك امبير ) من اوائل الذين نبهوا الى الاهمية التاريخية لدراسة الادب المقارن حين قال في محاضراته في السربون عام 1832 م (( سنقوم – ايها السادة – بتلك الدراسات المقارنة التي بدونها لا يكمل تاريخ الادب ))

وقصدا الى توضيح معنى الادب المقارن توضيحا لا لبس فيه نقف عند مفهومه لنخرج ما اقحمه فيه خطا بعض من تصدوا لهذا النوع من الدراسة ثم نحدد ذلك المفهوم في اوسع معانيه فندخل فيه ما يتوهم انه خارج عن نطاقه 0

ويترتب على ماسبق ان ذكرنا من تعريف انه لا يعد من الادب المقارن في شيء ما يعقد من موازنات بين كتاب من اداب مختلفة لم تقم بينهم صلات تاريخية حتى يؤثر احدهم في الاخر نوعا من التاثير او يتاثر به 0 فمثلا الف الكاتب الفرنسي الكبير (ستاندال ) كتابا عنوانه ( راسين و شكسبير ) لمقابلة الاصول التقليدية في مسرحية راسين بوجوه الابداع في مسرحيات شكسبير ويتخذ هذه المقابلة وسيلة للاشادة بأصالة شكسبير وبدراسته (( القلب الانساني فيما له من قوانين انسانية خاصة به وفيما يقوم امامها من عقبات ويثور على القواعد الكلاسكية التحكمية : منتصرا بذلك للرومانتيكيين ويتخذ راسين مثالا للشعراء عبيد القواعد حين يضرب المثل للاتجاهات الفنية التي ينتصر لها من مسرحيات شكسبير والكتاب بذلك ذو قيمة في فهم الدعوة الرومانتيكية التي اتخذ شكسبير وراسين تعلة للانتصارات لها وذو قيمة كذلك في فهم كاتبه نفسه وماله من ثقافة ولكنه ليس من الادب المقارن لا في منهجه ولا في موضوعه اذ ليس بين شكسبير وراسين من صله تاريخية والامر كذلك فيما يعقد مثلا من موازنه بين الشاعر الانجليزي ( ملتن ) وبين ( ابي العلاء المعري ) لان كليهما كان اعمى وانتج خاضعا لهذه العاهة ثم على الاخص لان لكل منهما اراء متطرفة فيما يخص الدين وذلك ان كلا الشاعرين لم يعرف الاخر ولم يتاثر به فتشابه ارائهما وظروفهما او مكانتهما الاجتماعية ليست لها قيمة تاريخية 0

ولا يصح ان ندخل في حسابنا مجرد عرض نصوص او حقائق تتصل بالادب ونقده لمجرد تشابهها او تقاربها دون ان يكون بينها صله مانتج عنه توالد او تفاعل من أي نوع كان قد يكون الجري وراء مقارنات من هذا النوع مفيدا لتقوية الملاحظة وللاحاطة بمعلومات كثيرة ولكنه ليست له قيمة تاريخية حتى يعد في باب الادب المقارن على ان مثل هذه المقارنات في اغلب صورها عقيمة لانها لا تشرح شيئا بل تقوم على نوع من الترف العقلي اساسه جمع معلومات لا نظام فيها ولا قاعده لها 0 ولا يجمع بينها الا مجرد ما يبدو من تشابه ونربا بالادب المقارن ان يتناول مثل هذا النوع من الدراسات التي اساسها الصدفة والادراك الرخيص للمشابهات ومجرى الالمام بمعلومات والاطلاع على النصوص لاننا لا نقصد بدراسة الادب المقارن الا الوصول الى شرح الحقائق عن طريق تاريخي وكيفية انتقالها من لغة الى اخرى وصلة توالدها بعضها من بعض والصفات العامة التي احتفظت بها حين انتقلت الى ادب اخر ثم الالوان التي فقدتها او كسبتها بهذا الانتقال لمثل هذه الدراسات فليعمل العاملون ومنها ترجي الفوائد التي يتطلع اليها الباحثون اما تلك الموازنات التي لا تشرح شيئا والتي تبقى غامضة لا يوضحها تاريخ فلا تتجاوز في ضآلة قيمتها ( مجهود استاذ في علم الاحياء ينفق وقته في شرح التقارب شكلا ولونا بين زهرة وحشرة )

وكما خرجنا من حساب الادب المقارن ما يعقد من مقارنات بين اداب ليست بينها صلة تاريخية كذلك نود ان ننبه الى انه ليس من الادب المقارن في شيء – طبقا لما قدمنا – ما يساق من موازنات في داخل الادب القومي الواحد سواء اكانت هناك صلات تاريخية بين النصوص المقارنة ام لا 0

فالموازنة بين ابي تمام والبحتري او بين حافظ و شوقي في الادب العربي وكذا الموازنة بين كورني وراسين – او – بين بسكال و مونتيني – او – بين راسين و فولتير في الادب الفرنسي يتخلي عنها مؤرخ الادب المقارن الى مؤرخ الادب القومي لان مثل هذه المقارنات على اهميتها وقيمتها التاريخية احيانا لا تتعدى نطاق الادب الواحد في حين ان ميدان الادب المقارن دولي يربط ادبين مختلفين او اكثر 0

ومهما اعرنا من اهمية للموازنات الداخلية لادب واحد فانها اقل خصبا واضيق مجالا واهون فائدة من الدراسات المقارنة وذلك لانها لا تشرح الا نمو الاستعداد والمواهب للكاتب في علاقاته مع سابقيه من ابناء امته وكثير ماتسير على وتيرة واحده في حدود ضيقة كدراستنا للحريري وتاثره ببديع الزمان الهمداني او كدراستنا للشعراء اللاحقين وتقليدهم الشعراء الجاهليين في الادب العربي 0 اين هذا مما وضعنا نصب اعيننا ان ندرس نوع المقامات ونشاتها في الادب العربي وتطورها فيه ثم انتقالها للادب الفارسي وحظها منه 0 او ندرس موضوعا كموضوع ( مجنون ليلى ) في الادب وكيف تطور في الادب الفارسي وبعده عن ميدان الحب والغزل العذري الى ميدان التصوف والرمزية في الادب الثاني ا وان ندرس تاثير الادب القديم اليوناني او اللاتيني في اجب كتاب عصر النهضة وشعرائهم بناء على نظرياتهم في محاكاة الاقدمين على نحو ما سنشرح اصوله بعد قليل او ندرس تاثير شكسبير في المذهب الرومانتيكي في فرنسا 0

مثل هذه الدراسات تعد من صميم الادب المقارن على حين تعد الموازنات الاولى من نطاق الادب القومي البحت 0 ويدلنا مجرد سرد الامثلة السابقة على فضل الدراسات المقارنة على الموازنات بصفة عامة 0

بقي لنا ان ننبه الى ان ميدان الادب المقارن الذي شرحناه – وهو الصلات الدولية بين مختلف الاداب – اوسع مما يبدو لاول وهلة اذ هو لا يقتصر على دراسة الاستعارات الصريحة وانتقال الافكار والموضوعات والنماذج الادبية للاشخاص من ادب اخر بل يشمل ايضا دراسة نوع التاثر الذي اصطبغ به الكاتب في لغته التي يكتب بها بعد ان استفاد من ادب اخر وهو ما نستطيع ان نطلق عليه تاويل الكانب لما قراه من اداب اخرى وقد يبدو هذا التاويل كثيرا او قليلا من الحقيقة 0

فمثلا قد تاثر صوفية الفرس من المسلمين بالقران والدين ولكن بعد تاويلهما تاويلا كبيرا بحيث ادخلوا في مفهومهما كثيرا من فلسفة ( افلاطون ) و ( افلوطين ) العاطفية وكثيرا من مبادئ التصوف في الهند وايران القديمة ولكنهم فهموا ايات القران واحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه الطريقة أي بعد ان اخضعوهما لارائهم وظنوا انهم لهما خاضعون ومع ذلك نعدهم متاثرين بالقران والحديث على طريق التاويل 0

ونرى مثلا اخر لهذا التاويل في الكاتب الانجليزي ( كاريل ) حين اول ما قراه عن الكاتب والشاعر الالماني ( جوته ) فلم يلحظ مافي انتاجه الادبي من جوانب السخرية والالحاد والجحود والانكار وجوانب الاستجابة الى داعي الملذات وانما راى فيه ما يتفق وتربيته الدينية الخلقية فراى فيه حكيما يدعو الى التدين والخضوع لما يفرضه الخلق القويم وداعية الى العيش في ظلال الدعه والواجب اليومي فيقول عنه في مقدمة رحلاته عام 1827 م وقد سموا ( جوته ) ( فولتير ) المانيا ولكنها تسمية خاطئة تصفه بما ليس فيه وحتى لو ضربنا صفحا عن مكانته وعن خلقه القويم – بوصفه انسانا – فانه في تفكيره وكتابته ينتمي الى طراز في الرجال اعلى من ذلك الطفل المدلل في عالم افسده وفسد به ( يقصد فولتير ) فليس ( جوته ) بالشاك ولا بالمجدف ولكنه المعلم الذي يحترم الحق انه ليس هداما بل بناء وليس رجل فكر فحسب ولكنه حكيم وكان تاويل ( كارليل ) صدى قوي في الراي العلم الانجليزي ولدى الكتاب والشعراء الانجليز الذين اتخذوه رائدا خلقيا لهم فيما يكتبون حتى ليقول الكاتب القصصي الانجليزي ( ادوارد بولورليتون ) في مقدمة قصتين له ذاتي طابع خلقي عام 1840 م فيما يخص الفكرة الاولى فكرة التربية الخلقية او التعليم العملي من اليسير ان يرى القارئ انني مدين بها لقصة ( ويلهلم ميستر ) ( لجوته ) ويتاثر هذا التاويل كان يرى الشاعر الانجليزي الغنائي ( تنيسون ) في ( جوته ) مثال الحكيم الخلقي ويقتبس في بعض اشعاره من حكمه ونعد هذا في الادب المقارن من تاثير ( جوته ) بتاويل ( كارليل ) له وان كان هذا التاويل في الحقيقة مجافيا للصواب 0

ويتدرج في الادب المقارن نوع اخر من التاثر العكسي كأن يقاوم الكاتب اثر كاتب اخر في ادب امة اخرى فينتج من هذه المقاومة اثرها في تاليفه ولناخذ لذلك مثلا احمد شوقي في مسرحيته ( كليوباترا ) فقد تاثر في فكرة دفاعه عن كليوباترا بوصفها مصرية بالمسرحيات الكثيرة الاوروبية في الموضوع وقد ظفر موضوع كليوباترا في الاداب الاوروبية بما لم يكد يظفر به موضوع اخر في عدد المسرحيات التي الفت فيه وفيها جميعا اتخذت كليوباترا مثال المراءة الشرقية او المصرية في نظرهم فهي مستهترة ولوعه بالملذات تتخذ الى غايتها طرقا ملتوية غير مستقيمة 0 وكان ( اكتافيوس ) مثال العقلية الغربية في رايهم ايضا في جدته و استقامته و قوته ثم كان ( انطونيوس ) مثال العقلية الغربية قبل تعرفه بكليوباترا وبعد تعرفه بها صار مثلها فقد ما كان يتصف به من عزم وقوة بتاثير سحرها وقد اراد شوقي ان يدافع عن هذه النظرة الخاطئة بتصوير كليوباترا وطنيو مخلصة تقدم وطنها حتى على حبها ولسنا بصدد الرد على اراء من كتبوا عن كليوباترا ناظرين لها في الاداب الاوروبية تلك النظرة وكما انا لسنا بصدد بيان مدى توفيق شوقي في تصويره الفني لكيلوباترا في مسرحيته كذلك ولسنا على اية حال نعد شوقي متاثرا بأولئك الكتاب او الشعراء تاثرا عكسيا 0

* ومثل اخر للتاثير العربي العكسي في الفارسية فيما يخص جنس التاريخ الادبي كما تراه في تاريخ البيهقي الذي امتنع عن مدح نفسه متخذا له طريقا مضادا لما فعل الصولي في كتابه الاوراق 0

وعلى الادب المقارن – اذا تصدى لهذا اللون من البحث – ان يشرح شرحا تاريخيا لماذا تعرض الكاتب في امة الى هذا النوع من التاثر دون ذاك وما مبلغ شخصيته فيما تاثر به وما الالوان الخاصة والطابع القومي في ادبه ولماذا اختلف عن الادب الاجنبي الذي اثر فيه ؟

هذا ولن يضير كاتبا – مهما تكن عبقريته ومهما سما فنه – ان يتاثر بانتاج الاخرين ويستخلصه لنفسه ليخرج منه انتاجا منطبعا بطابعه متسما بمواهبه 0 فلكل فكرة ذات قيمة في العالم المتمدين جذورها في تاريخ الفكر الانساني الذي هو ميراث الناس عامة وتراث ذوى المواهب منهم بصفة خاصة ويقول ( بول فاليري ) في كتابه : choses vues ( لا شي ادعى الى ابراز اصالة الكاتب وشخصيته من ان يتغذى باراء الاخرين فما الليث الا عدة خراف مهضومة ) وعلى هذا لا يقتصر الادب المقارن على عرض الحقائق بل يشرحها شرحا تاريخيا مدعما بالبراهين والنصوص من الاداب التي يدرسها والادب المقارن يتناول الصلات العامة بين الاداب ولكن لا غنى له من النفوذ الى جوانب كل ادب ليتبين فيها ماهو قومي وماهو دخيل وليبين اهمية اللقاح الاجنبي في اخصاب الادب القومي وتكثير ثمراته 0

فالادب المقارن اذن يرسم سير الاداب في علاقاتها بعضها ببعض ويشرح خطة ذلك السير ويساعد على اذكاء الحيوية بينها ويهدي الى تفاهم الشعوب وتقاربها الى ثرائها الفكري ثم هو – بعد كل هذا – يساعد على خروج الاداب القومية من عزلتها كي ينظر لها بوصفها اجزاء من بناء عام هو ذلك التراث الادبي العالمي مجتمعا وبهذا المعنى لا يكون الادب المقارن مكملا لتاريخ الادب ولا اساسا جديدا اقوم لدارسات النقد فحسب يل هو – مع كل ذلك – عامل هام في دراسة المجتمعات وتفهمها ودفعها الى التعاون لخير الانسانية جمعا 0

ولكن الادب المقارن الذي يزيد تاريخه قليلا عن نصف قرن لم يفهم منذ نشاته بل فهم فهما خاطئا حينا و ناقصا احيانا 0

وقبل ان يستقيل بوجوده علما كان يختلط في كتابه الكتاب بغيره من علوم الادب لهذا وجب تتبع – اجمالا – نشاته في اوروبا ومراحل نموه فيها لنبين كيف استقر على ماهو عليه الان علما مستقلا ذا فروع كثيرة 0

تاريخ نشأة الادب المقارن

نقصد هنا نشأة الادب المقارن في اوروبا حيث اكتمل مفهومه وتشبعت انواع البحث فيه وصارت له اهملية بين علوم الادب لا تقل عن اهمية النقد الحديث بل اصبحت نتائج عماد الادب والنقد معا وفي تتبعنا نشاة هذا العلم الحديث من علوم الادب نلم بنظريات في النقد ويأسس عامة في دراسات تاريخ الادب كان لها اخطر الاثر في ميلاد هذا العلم واكتمال معناه ولا غنى عن لدارس الادب بعامه عن الالمام بها كما انها جوهرية للوقوف على تطور مفهوم الادب المقارن حتى يتيسر لنا فهم دراساته الحديثة ومناهج بحثه 0

طبيعي ان يسبق ظهور الادب المقارن – بوصفه علما – وجود ظواهره المختلفة في الاداب العالمية أي تحقق التاثير والتاثر بين الاداب وليس الادب المقارن في ذلك بدعا بين العلوم كلها وبخاصة العلوم الانسانية واللغوية فقد سبقت الظواهر الفلكية مثلا وجود علم الفلك والظواهر الاجتماعية والنفسية قديما قدم الانسان والجماعات الانسانية على حين لم يظهر علم النفس والاجتماع الا في العصور الحديثة وبديهي ان ظواهر النحو والبلاغة تسبق علوم النحو واللغة في كل امة 0

واقدم ظاهرة في تاثير ادب في ادب اخر واعظمها نتائج في القديم ما اثر به الادب اليوناني في الادب الروماني ففي عام 146 ق 0 م انهزمت اليونان امام روما ولكنها ما لبثت ان جعلتها تابعه لها ثقافيا وادبيا وكثيرا ما يردد مؤرخو الفكر الانساني ان روما مدينة لليونان في فلسفتها وفنها ونزعتها الانسانية وادبها كله 0 وفي ذلك كله كانت محاكاة الرومانيين لادباء اليونان وكتابهم وفلاسفتهم ولم يكن للادب اللاتيني من اصالة تذكر يستقل بها عن تاثير الادب اليوناني فيما عدا ما يحتمل ان يكون في جنس التاريخ والخطابة وهذه ظاهرة خصبة من ظواهر الادب المقارن ليس لها مجال شرح 0

ولكن الذي يهمنا هنا انها اثمرت لدى النقاد اللاتينيين ماكان نواة نظرية ( المحاكاة ) في عصر النهضة الاوروبية في معنى محاكاة اللاتينيين اليونان والسير على اثرهم رغبة منهم في نهضة الادب اللاتيني وهذا معنى اخر للمحاكاة يغاير المحاكاة التي دعا اليها ارسطو حين اراد ان يبين الصلة بين الفن بعامة وبين الطبيعة فللشاعر عند نقاد الرومان ان يحاكي العباقرة الذين هم بدورهم قد حاكوا الطبيعة فيقول هوارس في فن شعره ( اتبعوا امثلة الاغريق واعكفوا على دراستها ليلا واعكفوا على دراستها نهارا ) وفي هذا اعتراف منه بأن محاكاة اليونانيين في ادبهم مثمرة على ان لا تمحو اصالة الشاعر 0

وقد خطا بعده الناقد الروماني كانتيليان خطوات واسعة في شرح هذه النظرية التي كانت ذات اثر بعيد المدى لدى النقاد حتى الكلاسيكية فقد سن لهذه المحاكاة قواعد عامة اولاها ان المحاكاة للكتاب والشعراء مبدا من مبادئ الفن لا غنى عنه وهو يقصد طبعا محاكاة اللاتينيين اليونان والقاعدة الثانية ان هذه المحاكاة ليست سهلة بل تتطلب مواهب خاصة في الكاتب الذي يحاكي شانها في ذلك شان محاكاة الطبيعة وثالثتها ان المحاكاة يجب الا تكون للكلمات والعبارات بقدر ماهي لجوهر موضوع الادب ومنهجه ورابعا ان على من يحاكي اليونانيين ان يختار نماذجه التي يتيسر له محاكاتها وان تتوافر له قوة الحكم ليميز الجيد من الردئ ليحاول محاكاة الجيد فيما تحتمل طاقته واخيرا يقرر كانتيليان ان المحاكاة في ذاتها غير كافية ويجب ان لا تعوق الشاعر وان لا تحول دون اصالته وفي ظل نظرية المحاكاة هذه تم للادب الروماني الازدهار بفضل محاكاة الكتاب اللاتينيين لليونان مع توافر اصالتهم في وقت معا وتبعا لهذه النظرية كان النقاد والمؤرخون الرومانيين يقارنون بين هؤلاء الكتاب ونماذجهم من اليونانيين مما يعد صورة ساذجة للمقارنة لم تتعد ما اشرنا اليه من حدود 0

وفي العصور الوسطى التي امتدت من عام 1395 حتى 1453 م خضعت الاداب الاوروبية المختلفة لعوامل مشتركة وحدث بعض اتجاهاتها ووثقت علاقاتها بعضها ببعض وكان لهذا التوحيد في اتجاه الادب مظهران عامان : اولهما ديني ,, كان رجال الدين فيه هم المسيطرون فكان منهم القراء والكتاب معا وتغلغل الروح المسيحي في ذلك الانتاج الادبي فقد كانت اللاتينية هي لغة العلم والادب كما كانت هي لغة الكنيسة 0 وثاني هذين المظهرين العامين كان في الفروسة التي وحدت ما بين كثير من الاداب الاوروبية في تلك العصور 0

وفي هذين الاتجاهين سار الانتاج الادبي الاوروبي في كثرته الغالبة مما اكسب ذلك الادب طابع العالمية في اتجاهه العام 0

وكان من الممكن لذلك ان يصبح مجال دراسات مقارنة في البحث عن المؤثرات العامة التي وحدت اتجاهاته وكانت هذه المؤثرات دينية مسيحية او شرقية عربية ولكن لم يوجد مجال لتلك الدراسات طوال تلك العصور بل تاخر بتلك الدراسة الزمن حتى العصور الحديثة حين نهض تاريخ الادب والنقد الادبي 0

وفي عصر النهضة ( القرن الخامس عشر والسادس عشر ) اتجهت الاداب الاوروبية وجهة الاداب القديمة من يونانية ولاتينية وكان للعرب فضل توجيه الانظار الى قيمة النصوص اليونانية بما قاموا به من ترجمات الفلاسفة اليونان وبخاصة ارسطو فحاول رجال النهضة الرجوع الى تلك النصوص في لغاتها الاصلية ثم اخذوا في طبع النصوص اليونانية وترجمتها والتعليق عليها وكانت العوة الى الرجوع لاداب اليونان والرومان ومحاكاتها بمثابة ثورة فكرية في ذلك العصر لانها كانت تتضمن الخروج على اداب العصور الوسطى ذات الطابع المسيحي 0

وعاد رجال الادب – في عصر النهضة – الى نظرية المحاكاة , محاكاة الاقدمين من يونانيين ولاتينيين وكانوا ولوعين بما في هذين الادبين من اتجاهات انسانية لانهما عنيا بالانسان ومشكلاته الا من وجهه نظر ميتافيزيقية بل من وجهه نظر انسانية ولذا كانت آلهة اليونان اقرب من صفاتها الى الناس ومن اجل هذا سميت حركتهم النزعة الانسانية 0 ولا يهمنا هنا الا الا ما يتصل بنظرية المحاكاة التي بداها من قبل هوارس وشرحها كانتيليان 0

وكان هذا الشرح اوضح ما يكون لدى ( جماعة الثريا ) من الفرنسيين في عصر النهضة وقد اتخذوا من هذه النظرية وسيلة ناجحة لاغناء اللغة الفرنسية نظرا وتطبيقا 0

ومنهم الشاعر الناقد ( دورا ) الذي سلك في تلقين تلاميذه معنى نظرية المحاكاة مسلكا عمليا مثمرا فقد اوضح لتلاميذه ما تدين به اللاتينية لليونانية اذ ظلت اللاتينية خمسو قرون كاملة لا ادب يذكر لها ثم ازدهر ادبها على اثر اتصالها بالادب اليوناني وكان يشرح لهم كيف كان ( شيشرون ) الروماني مدينا في خطابته لخطيب اليونان ( ديموستين ) وكيف تاثر ( فرجيل ) اللاتيني بشاعر اليونان ( تيوكريت ) وكيف الهم شاعر اليونان ( بنداروس ) ( هوارس ) اشعاره اللاتينية 000 وتعد دراسات دورا على هذا النحو من اقد ما عرف من الدراسات المقارنة المثمرة وان تكن بدائية في منهجها وقد كانت اللاتينية في دراساته مثلا واضح الدلالة على ان اللغة المعوزة الفقيرة تغنى وتنهض بتاثرها بادب ارقى واغنى فتتجدد افكارها بتجدد منابع الهامها 000 وسرعان ما اضيف الى مثال اللاتينية شاهد اخر هو نهوض الادب الايطالي في عصر النهضة على اثر اتصاله بالادبين اليوناني واللاتيني فرسخ في الاذهان على الاثر – ان الامل قوى في ان تحذو اللغة الفرنسية حذو اللاتينية والايطالية فترقى عن طريق محاكاة الاداب القديمة 0
ويرى ناقدهم الاخر ( دي بلى ) في دفاعه عن اللغة الفرنسية بانه ( بدون محاكاة اليونانيين لن نستطيع ان نمنح لغتنا ما شهر به الاقدمون من سمو وتالق ) ثم يلحق بالاقدمين المحدثين من الايطاليين 0 ويرى انه لا بد للشعراء من الرجوع الى الى نصوص الاداب القديمة بانفسهم وهضمها وعنده انه لا تكفي الترجمة في الادب اذ انها لا تغني عن الاصل شيئا حتى لو كانت امينة وفية للاصل المترجم عنه لانه لا سبيل فيها الى نقل الخصائص الادبية وبدون هذه الخصائص تظل كل جهود المترجم عديمة الجدوى فنيا اذ يظل الاصل كما هو كأنه ( سيف رهين غمده) وعنده ان كل ترجمة خيانة للاصل وجحود بما له من قيمة ودعوته هذه فيها شيء من الحق اذ انه لا بد من معرفة الدارسين للغة النص الذي يدرسونه كي يقفوا على كل ما له من روعه فنية في لغته وهذا اصل من اصول الادب المقارن اليوم 0 وقد كان ( دي بلى ) يقصد دعوته اليه ان يوجب الرجوع الى النصوص اليونانية واللاتينية وهذا عنده هو طريق المحاكاة

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:06 pm

الصحيحة ( فلننهج نهج الرومان في اغناء لغتهم محاكاتهم اليونانيين 0 لقد تقمصوا الشخصيات اليونانين بعد ان قتلوهم بحثا واطلاعا وهضموهم هضما فصيروهم لحما ودما )

ولقد خالفه في رايه السابق في الترجمة اكثر زملائه من جماعه الثريا فيرك بلتيير ان الترجمة الامنية الوفية لاصلها ( فضيلة اغناء اللغة تترجم اليها ) بما تنقل من كلمات وعبارات طلية الحكم ( وان ترجمة دقيقة خير من ابتكار اعوزه التوفيق )

والذي اتضح من اراء اولئك الدعاة – في نزعتهم الانسانية – ان حرصهم على نهضة ادبهم هو الذي حملهم على الكشف عن كنوز الاداب القديمة لمحاكاتها 0

وشرط اخر وضعه هؤلاء الدعاة الى النزعة الانسانية وهو جوهري لانماء هذه الدعوة ويهمنا – من حيث المبدا – في دراستنا المقارنة هو انه لا تجوز محاكاة الكتاب والشعراء من نفس اللغة لان مثل هذه المحاكاة تؤدي الى جمود اللغة وركودها ( حذار – يامن تريد للغتك النمو وتريد ان تنبغ فيها – من ان تلجا الى محاكاة نظيرة فتقلد ادباء لغتك فهذه نزعة مثوفة لا جدوى منها ولا نمو فيها فليست سوى منح لغتك ماهو في حوزتها سلفا وبمحاكاة الاداب القديمة يستطاع خلق اجناس ادبية جديدة وهو مالا يتيسر بمحاكاة ادباء اللغة نفسها (( ولو اني سئلت عن خبرة شعرائنا لاجبت بانهم اجادوا فيها كتبوا وانهم اغنوا لغتنا واننا مدينون لهم بالكثير ولكنني اقول اننا نستطيع ان نخلق في لغتنا اجناسا من الشعر اكثر جدة وخصبا اذا بحثنا عنها في اداب اليونان والرومان 0

على ان المحاكاة – على هذا النحو – يجب ان تمحو اصالة الكاتب تطلعه ولا نقضي عليه الى ان يسبق نموذجه ولهذا يرى ( بلتيير ) وهو في هذا متاثر بكانتيليان الروماني ان المحاكاة ليست تقليدا محضا وانما هي السير على هدى نماذج بمثابة قدوة للكاتب ( لا يصح ان يقع الكاتب المتطلع للكمال في زلة التقليد المحض و يجب عليه ان يطمع – لا الى اضافة شيء من عنده فحسب – بل الى ان يفضل نموذجه في كثير من المسائل واعلم ان السماء تستطيع ان تخلق شاعرا كاملا ولكنها لم تفعل قط حتى الان واعلم ان مساواتك نموذجك ليست شيئا تستحق عليه التهنئة فالتقليد المحض لا ينتج عنه شيء رفيع بل ان سمة الكسول القليل الهمة هي اتباع الاخرين ولن يكون نظيرا بل يبقى دائما اخيرا واي مجد في السير على درب ممهد مطروق 0

وقد اكتملت في هذه الحدود نظرية المحاكاة كما صارت عند الكلاسيكيين وهي مبنية على امرين : تمجيد تراث اليونان والرومان للافتداء به , ثم وجوب بذل الجهد في مجاوزة النماذج التي تحاكي 0 وينص على الامر الاول ( لابراويير ) في قوله ( كل شيء قد قيل وقد اتينا بعد فوات الاوان منذ ما يزيد على سبعة الاف سنة حين وجد اناس ومفكرون ولم يبق لنا الا ان نلتقط سقط الحصاد على اثر ما جمعه الاقدمون والنابغون من المحدثين ) وينص نفس الكاتب على الامر الثاني بقوله ( لن يستطيع بلوغ حد الكمال في الكتابة لن يستطيع – مع توافر القدرة – التفوق على الاقدمين الا بمحاكاتهم 0

ونتائج هذه النظرية المسلم بها والتي تمت بصلة الى الدراسات المقارنة 0 ان الاصالة المطلقة مستحيلة فاكثر الشعراء والكتاب اصالة مدين لسابقيه وان التاثر طابع الاداب والمدارس الادبية جميعا وان المحاكاة الرشيدة طريق اغناء اللغات 0

غير ان كلمة المحاكاة في ذاتها غامضة طالما اسفت الى التقليد الذي يمحو الاصالة وانما يقصد بها التاثير الهاضم الاصيل لا التقليد الخاضع الذليل 0

وقد فلسفها الشراح الايطاليون في القرن التاسع عشر بانها اكمال لنظرية ارسطو في محاكاة الطبيعه ذلك ان نماذج الطبيعه – لمن يلجا اليها من الكتاب والشعراء مباشرة – نماذج ناقصة وعلى الفنان ان يختار من بين نماذجها ليكمل نموذجه الفني الجميل وقد قام القدماء بهذا الاختيار الفني فخلقوا طبيعه فنية كاملة كملوا بها مافي الطبيعه من نقص فعلينا ان نحاكي الطبيعة من خلال نماذجهم البريئة من الخلل والاضطراب وعلى من يحاكي – في نظر الكلاسيكيين – ان يراعي ثلاثة مبادي : اولها \ ان يختار من بين نماذجه وان يميز الصحيح من الزائف في نموذجه لان الاقدمين بشر يخطئون ويصيبون واساس الاختيار العقل الرشيد والدربة الفنية 00 وثاني هذه المبادئ \ ان يحاكي ما يتفق وعصره كما كتب الاقدمون لعصرهم 00 وثالثها \ الا يحاكي الكتاب من نفس لغته على نحو ما سبق ان عللنا 0

وبتاثير نظرية المحاكاة هذه اتجه العصر الكلاسيكي ( القرن السابع عشر والثامن عشر ) الى التقنين في الادب أي الى النقد الفني العلمي متخذا من الاداب القديمة المثال الذي يحتذى 0 فكانت مهمة الناقد ان يضع قواعد مختلفة الاجناس الادبية وان يدعو الكتاب للسير عليها وان يحكم على قيمة انتاجهم بمبلغ اتباعهم القواعد وعلى الرغم من تاثر ذلك الادب بالاداب القديمة انتاجا ونقدا وكانت مهمة النقاد ابعد ماتكون عن الاتجاه التاريخي وعن البحث في المنابع التي استقى منها الكاتب اذ كانت غاياتهم فنية عملية هي الارشاد والدعوة الى الانتاج على حسب قواعد جرت مجرى العقائد 0

وحين تاثر الادب الفرنسي باداب اخرى غير الاداب القديمة كالادب الايطالي وكالادب الاسباني مثلا تعرض بعض الناقاد لدراسة تلك الصلات الادبية الدولية كما فعلت ( مدام دي سكوديري ) حين لامت الشاعر ( كورني ) على سرقته مسرحيته المسماه ( السيد ) من الادب الاسباني ولكن تلك الدراسات لم تعد ان تكون كشفا عن سرقة للتقريع عليها او مجرد حكم على الكتاب يراد نقده من غير تعرض للصلات التاريخية ودون تفكير في تحليل تلك الصلات وتقويمها 0

وفي القرن الثامن عشر جد من العوامل ماكان حريا ان يجعل من المقارنات العلم الادبي المنشود ولكن تلك العوامل لم تثمر ثمرتها ففي ذلك القرن توثقت الصلاة بين الاداب الاوروبية اكثر مما كانت عليه في القرن السابع واشتد شوق الباحثين الى التعرف باداب اخرى لم تكن معروفة كاداب اهل شمال اوروبا وكاداب الانجليزي والالماني في فرنسا وتعددت الرحلات وكثرت الترجمات واتجه الادب اتجاها انسانيا من شانه ان يخرج به من حدود القومية الى افق اوسع وغاية اسمى 0

ولكن كل هذه العوامل لم نثمر الثمرة المرجوة لا في خلق تاريخ الادب على ماهو عليه اليوم ولا في نشاة الدراسات في الادب المقارن 0

وذلك ان اكثر مؤرخي الادب حتى نهاية القرن الثامن عشر لم يتجاوزوا حدود سرد حياة المؤلفين وعرض نصوص من مؤلفاتهم فاذا تعرضوا بعد ذلك للشرح فلا يعدو شرحهم اصول الكلمات اللغوية وبعض المعاني البلاغية فاذا اتسع افق ناقد مثل ( فولتير ) الى تحليل نص ادبي لبيان قيمته فانه لا يتجاوز غالبا ميدان التاريخ مع تعليق هين القيمة في الحكم على النص 0

وبمناسبة تعرضنا لفولتير نقول ( انه واخرين مثله قد اتبعت افاقهم في نقدهم الادبي فعرضوا لاداب امم اخرى بالنقد والموازنة )

ولكن نقدهم لم يقصد الى بيان اصول الاجناس الادبية من الناحية التاريخية ولم يرم الى شرح التاثير والتاثر من الوجهة العلمية ولم يعبأ بدراسات البيئات والعوامل المختلفة مما هو من صميم الادب المقارن فلم يكن نقدهم الا للحكم على كاتب او على عمله حكما مبنيا على القواعد الادبية التي سنها اسلافهم في القرن السابع عشر وعلى اعتبارات مستقلة من ذوق العصر الذي عاشوا فيه 0

كان على الادب المقارن ان ينتظر اذا حتى القرن التاسع عشر ففي اثنائه جد من العوامل المختلفة ما خرج به الى حيز الوجود 0

كان القرن التاسع عشر في اوروبا عهد تقدم ملحوظ في الناحية الاجتماعية وفي البحوث العلمية وتبع هذا التقدم رغبة قوية في استصعاب نواحي البحث في العلوم الادبية من جهة وفي تعرف الشعوب بعضها ببعض من جهة اخرى فكثرت الاسفار وتعددت التراجم للاثار الادبية لمختلف الدول وعكف العلماء والكتاب على درس مختلف الظواهر الاجتماعية والادبية متعمقين في بحوثهم محاولين رجع كل ظاهرة الى اسبابها ونشا عن ذلك كله اتجاهان عامان اثرا في نشاة الادب المقارن وفي نموه عن طريقين مختلفين هذان الاتجاهان هما :

1- الحركة الرومانتيكية 0

2- النهضة العلمية 0

ميدان البحث في الادب المقارن

يجمل بنا – قبل الاضافة في كل فرع من فروع الادب المقارن – ان نجمل القول في هذه الفروع على حسب الاعتبارات التي يرمي اليها فقد سبق ان موضوع الادب المقارن – عامة – هو تبادل الاستعارات الادبية بين اداب اللغات في اوسع ما تدل عليه كلمة الاستعارات من اجناس ادبية وصور فنية وموضوعات واساطير ونماذج لاشخاص بشرية 0

وقد ينظر في كل ذلك الى وسائل عبور هذه الاستعارات من ادب ولغة الى ادب ولغة اخرى ومن بلد الى بلد وقد ينظر الى المسائل المتبادلة نفسها وكيف تغيرت فزيد فيها او نقص منها حين انتقلت من اللغة التي اثرت الى اللغة التي تاثرت ففي الحالة الاولى تدرس عوامل الانتقال وملابساته وفي الحالة الثانية تدرس المسائل نفسها من الموضوعات والاجناس الادبية ومن المصادر والتيارات الفكرية 000 ومن كل ذلك يتبين تنوع فروع الادب المقارن 0

اولا : عوامل النتقال الادب من لغة الى لغة :

ولذلك الانتقال عاملان :

1- الكتب 0

2- المؤلفون 0



3- الكتب :

للكتب تاثير كبير في اثبات الصلات الادبية بين مختلف اللغات فهي التي تلقي ضوءا كبيرا او ضعيفا على علاقات بلد ما بمؤلف او بمجتمع او بانتاج ادبي في بلد اخر والادب المقارن يهتم اولا باثبات الصلة بين الوسط المتاثر ويستعان في ذلك بما ادلى به المؤلف من تصريحات من نوع ثقافته وتاثره بكاتب او ثقافة بلد ما 0

وقد يكون المؤلف نفسه قد كتب بعض مؤلفات بلغة اجنبية فتكون تلك المؤلفات دلالتها التي لا تنكر على تاثره بادب اللغة التي كتب بها وذلك مثل اكثر كتاب الفرس وشعرائهم وكانوا من ذوي اللسانين العربي والفارسي ومثل الكاتب الشاعر الانجليزي (اوسكار وايلد ) الذي الف بالفرنسية قصة الترجمة من لغة الى لغة ولم راجت في الامم التي ترجمت اليها ولكي يستطاع الحكم على الترجمة يجب ان يرجع الى الاصل ويقارن بينه وبين مختلف ترجمانه الى اللغة المنقول اليها ثم يشار الى انواع التصرف في تلك الرتجمات ودلالتها 0

ومما لا غنى عن دراسته في هذه الباب كتب النقد والصحف التي تتحدث عن الكتاب والشعراء الاجانب فمثلا اذا تتبعنا المجلات العربية والصحف القديمة نجدها تقدم كثيرا من الكتاب الاجانب لقرائها وقد ترجمت اراء ( زولا ) قديما في بعض الصحف المصرية وكانت صحيفة البلاغ تقدم كثيرا من كتاب الروس العالميين مثل ( ماكسيم جوركي ) و مازالت المجلات المعاصرة مثل ( المجلة ) ( الاداب ) و ( الكاتب ) تتبع نفس المنهج ولا بد من دراستها للوقوف على الحركة الفكرية العامة للعصر 0

ومن هذا النوع من الدراسات ادب الرحلات وماله من تاثير في تعريف الشعوب بعضها ببعض وصلة ذلك بادابهم 0

ومما يعين الباحث في هذا السبيل تحديده لمدى رواج الكتب في البلد الذي يدرس تاثيرها فيه ويستعان في ذلك بفهارس الكتب في دور الكتب وباحصاءات الطبع في دور الطبع 0

4- المؤلفون :

انا نعتد بالكتب وحدها فغالبا لكي تحدد العلاقات الادبية بين الامم المختلفة ضاربين في ذلك صفحا عن المؤلفين والمترجمين لان الكتب عي وسيلة تعرف تلك العلاقات ولكن اذا كنا بصدد كتب مؤلف مشهور فاننا لا نستطيع ان نهمل دراسته هو في صلاته بالبلاد الاخرى وكيف عرفها وعرفها لبلاده في ادبه فمثلا اذا اخذنا ( شاتو بريان ) وتاثره بانجلترا فلا بد من دراسة حياته فيها والنوادي التي كان يخالطها وصدى الثقافة الانجليزية في مؤلفاته وكذلك ( فولتير ) في حياته في انجلترا وكيف كان تفسيره لخلق اهلها ولادابهم ومدى ما افاد من ذلك لنفسه واية قيمة ادبية نتجت عن ذلك لدى معاصريه من بني قومه 0

ويدخل في هذا الباب دراسة ابن المقفع فيما نقل الى العربية من روائع لغته 0 فلكي ينظر الى انتاجه – بوصفة صلة بين الادب الايراني والادب العربي – يجب ان ندرس حياته نفسه وان يتعرف على ثقافته وميوله الفارسية وما يمكن ان يكون لكل ذلك من صدى في مجهوده الادبي في الترجمة التي قام بها 0

فلكي نستطيع تقدير كاتب او رحالة او مترجم من الاعلام المشهورين يجب ان نعرف من ادب لغته ومن حياته واحوال بلاده ما يمكننا من صدق الحكم عليه 0

ثانيا : دراسة الاجناس الادبية :

في الفرع السابق من فروع الادب المقارن اشرنا الى الدراسات الخاصة يكتب الترجمة والرحلات والنقد التي من شانها ان تعرف بلدا ببلد اخر او بادبه والى دراسة ما قد يكون لمؤلفيها من شان اذا كانوا ذوي مكانة ادبية تحتم دراستهم وليس كل ذلك الا وسيلة لدراسة الصلات الادبية الدولية فاذا تجاوزنا هذه الوسائل الى موضوعات من صميم الادب المقارن فاننا يجب ان ندرس فيما ندرس حظ الاجناس الادبية في مختلف الاداب وانتشارها فيها 0

ويراد بالاجناس الادبية القوالب الفنية الخاصة التي تفرض بطبيعتها على المؤلف اتباع طريقة معينة 0 فمثلا يتبع المؤلف طريقة خاصة حين يعالج في شكل تمثيلي نفس الموضوع الذي قد يعالجه اخر في قالب خطابي وتستخدم هذه الاجناس في تقسيم الانتاج الادبي الى فروعه وهذا التقسيم لا غنى لنا عنه في دراستنا المقارنة 0

فمثلا كيف نشات قصة الرعاه ومسرحية الرعاه في الادب الاوروبي ؟ ولماذا راجت الاخيرة في القرن السادس عشر في فرنسا ؟ ولماذا انصرف المؤلفون عنها في اوائل القرن السابع عشر ؟ - ولماذا انتشرت القصة التاريخية في كل اوروبا في اوائل القرن التاسع عشر ؟ وما اسباب الانصراف عنها في حوالي منتصف القرن ؟ - وكيف نشات القصة المسرحية في الادب العربي الحديث ؟ وما الاسباب التي تحكمت في خلق هذين الجنسين وفي تطورهما ؟

ويدخل في هذا الباب ايضا دراسة الاجناس الادبية القديمة كدراسة الخرافة على لسان الحيوان وكيف ادخل ابن المقفع هذا الجنس الادبي في الادب العربي بدوره من هذه الناحية في الادب الفارسي الحديث 0

والدراسة في هذا الباب دراسة تاريخية تستمد اصولها من تتبع كل نوع من هذه الانواع وتطوره في لغتين او اكثر والعوامل التي اثرت فيه في كل الاداب التي يراد درسها 0 وهذه الدراسات – على الرغم من انها تاريخية – في جوهرها – ذات قيمة في الدراسات المعاصرة وبخاصة في ادبنا الحديث الذي يستمد اكثر اجناسه من الاداب الاوروبية ويبتعد بذلك كثيرا او قليلا عن مصادره من الادب العربي القديم 0

وقد يرمى الباحث الى درس جنس ادبي في ادبين فقط كدراسة القصة التاريخية في الادبين الانجليزي والفرنسي وكدراسة القصة الرومانتيكية في الاداب الاوروبية ثم تاثيرها في القصة العربية 0

وفي كل الحالات على الباحث في الادب المقارن ان يراعي ما ياتي :

1- ان يحدد الجنس الادبي الذي يدرسه ويسهل تحديد الجنس اذا كان ذا قواعد فنية واضحة ( القصة التاريخية – المسرحية الكلاسيكية والمسرحية الرومانتيكية : القصة الريفية ) 00 ويصعب تحديده كلما قلت قواعده الفنية وكان ذا صبغه تتصل بالاسلوب او بلون من الوان العاطفة مثل الوان التشاؤم في شعر القبور الذي مهد للحركة الرومانتيكية ومثل الوقوف في الادبين العربي والفارسي 0

2- ان يقيم الباحث الادلة على تاثير الكاتب او الكتاب بالجنس الادبي الذي هو موضوع الدراسة – وقد يسهل عليه فيما اذا صرح الكاتب نفسه بذلك كما فعل الشاعر – هوجو – في تصريحه بمحاكاة شكسبير وقد يصعب التدليل كما في حالة محاكاة الشاعر ( الفريد دي فيني ) للكاتب الانجليزي ( ولتر سكوت ) وكما في محاكاة شوقي لشكسبير و ( دريدن ) وغيرهما في مسرحيته : مصرع كيلوباترا 0

3- ان يحدد مدى تاثر الكاتب بالجنس الادبي المراد درسه وعوامل هذا التاثير فيبين ما اذا كان الكاتب خاضعا لمذهب ادبي بعينه او ما اذا كان حرا في اختياره وما مدى تصرفه في قواعد المدرسة التي يتبعها وما الاسباب التي جعلته يبعد كثيرا او قليلا عن النموذج الذي اراد اتباعه ولاجل النفوذ الى هذه الاسباب يجب ان تدرس حياة الشاعر والمجتمع الذي نشا فيه و ثقافته الخاصة به 0

فهذه الدراسات اذن تتطلب تحليلا دقيقا للمؤلفات التي يراد درسها والماما بالحالة الاجتماعية والادبية في عصرها ثم بالحالة النفسية للكاتب الذي هو موضوع الدراسة ثم وقوفا دقيقا على ثقافة الكاتب وسعة اطلاعه لتكشف تلك الدراسة بعد ذلك عن الاصالة الفنية والواقعية في انتاجه 0

ثالثا : دراسة الموضوعات الادبية :

يهتم كثير من الباحثين بهذا النوع من الدراسة وبخاصة الالمان ويسمونه تاريخ الموضوعات وذلك كأن يدرس ( فاوست ) في الادب الالماني والفرنسي او ( داون جوان ) في الادبين الالماني والفرنسي او ( كليوباترا ) في الادب الانجليزي والفرنسي والعربي 0

واهتمام الايطاليين والفرنسين بدراسة الموضوعات اقل من اهتمام الالمان بها وذلك لضعف الرابطة بين الشخصيات في هذا النوع من البحث ولان المجهود فيه يتطلب سعه في العلم لا تتصل كثيرا بالادب البحت ومع ذلك لا تخفى اهمية تلك البحوث في معرفة خصائص الشعوب ونفسيتها وفي دراسة الكاتب الذي يتخذ من هذه الموضوعات منفذا للتصريح بآرائه وفلسفته وقيمة هذه الدراسات تتوقف على اختيار الموضوع اختيارا له قيمته الادبية وعلى براعة الباحث في التحليل والمقارنة والاستنباط 0

رابعا : تاثير كاتب ما في ادب امة اخرى :

هذا النوع من الادب المقارن هو اكثر فروعه انتشارا لدى الباحثين من الفرنسيين وذلك لوضوح منهج البحث فيه وللوثوق من الوصول فيه الى نتائج تتناسب وما يبذله الباحث من الجهد وهو يتطلب مع ذلك سعة اطلاع و دقة في التحليل وصبرا في الباحث وذكاء في فهم النصوص كما يتبين ذلك من معرفة الاسس الاتية التي يجب اتباعها فيه :

1- يجب تحديد نقطة البدء في التاثير من مؤلفات كاتب ما او كتاب واحد من بينها او من شخصية ذلك الكاتب بوصفه وحدة لا تتجزا مع مؤلفاته ومثال ذلك على الترتيب : تاثير مسرحية شكسبير او تاثير هملت منها ثم تاثير جوته 0

2- يجب تحديد الوسط المتاثر بلدا كان ام مجموعة مؤلفين ام مؤلفا مثال ذلك تاثير الكاتب الفرنسي ( جي دي موباسان ) في القصة المصرية القصيرة او في مؤلفي القصة القصيرة العربية في القرن العشرين او في تيمور فقط 0

3- يجب التمييز بين حظ الكاتب في ذيوله وانتشار مؤلفاته وبين حظه في محاكاته والتاثير به فقد يكون الكاتب ذا حظ عظيم في ذيوع مؤلفاته وترجمتها ولكنه مع ذلك ذو حظ اقل من جهة محاكاته والتاثير به 0 ثم ان هناك انواعا كثيرة من التاثير : فهناك التاثير الشخصي كتاثير ( روسو ) والتاثير الفني كتاثير مسرحيات شكسبير في اصحاب المذهب الرومانتيكي من الفرنسيين وتاثير ( لافونتين ) في القصة العربية على لسان الحيوان ثم التاثير الفكري كتاثير ( فولتير ) في الاداب الاوروبية ثم التاثير في الموضوعات كتاثير الادب الاسباني في الادب الفرنسي في القرن السابع عشر مثلا وتاثير الشعر الغنائي العربي في المدح في الادب الفارسي 0

خامسا : دراسة مصادر الكاتب :

اذا اخذنا كاتبا ما لندرسه دراسة مقارنة وبحثنا عن مصادره التي استقى منها ادبه في لغة اخرى فاننا بذلك نكون في منطقة من مناطق الادب المقارن ومظاهر تاثير الكاتب في هذه الناحية متعدد النواحي فمن ذلك تاثره بمظاهر البلاد الاخرى ومناداتها وهو ما يتطلب دراسة البلاد المؤثرة من تلك الناحية ومن ذلك محادثاته مع رجالها وهذا ما يصعب الوقوف عليه احيانا ثم من ذلك قراءاته المختلفة في في الاداب الاخرى تلك القراءات التي يمكن للباحث تحديدها متى تيسرت اسباب ذلك التحديد ويجب الا يفوت الباحث التفريق بين التاثير وبين مجرد توارد الخواطر وتلاقي الافكار وكثيرا ما ينتهي البحث في هذا الميدان الى شرح المصادر دون استطاعة استيفاء شرح اثارها في مؤلفات الكاتب 0

سادسا : دراسة التيارات الفكرية :

نقصد بذلك دراسة التيارات الفكرية التي تسود عصرا ما او حركة معينة من حركات الادب كالتيارات الفكرية في القرن الثامن عشر في اوروبا وكالحركة الهيلينية في ادب القرن التاسع عشر وكالفلسفة العاطفية والصوفية في الادبين العربي والفارسي وكفلسفة الواقعية بين مختلفي الاداب 0

ومثل هذه الدراسات تتطلب اطلاعا واسعا ولا بد من دراستها في اكثر من ادبين حتى يستطاع تمييز الافكار العامة التي سادت عصرا بعينه او بلاد بذاتها 0

وهنا كثيرا ما يشتبه التاثير بتوارد الخواطر وبالافكار الفردية التي تتشابه لانها وليدة حوادث متشابهة وكل ذلك مما قد يدق دقة تضل معها افكار الباحثين على ان مجرد التميز بين ماهو وليد حوادث متشابهة وماهو وليد التاثير الادبي امر هام لدراسة الادب بصفة عامة ولدراسة الادب المقارن كذلك 0

سابعا : دراسة بلد ما كما يصوره ادب امة اخرى :
لكل شعب من الشعوب رايه في الشعوب الاخرى ولهذا الراي صدى في ادبه الذي هو سجل شعور الامة وصورة صادقة لما عليه علاقاتها بغيرها من الامم ولمعرفة هذا يتحتم علينا ان ندرس ادب الرحلات

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:07 pm

والقصص والمسرحيات وما بها من اشخاص والوان مجلوبة وهذا الفرع من فروع الادب المقارن كثير الرواج في فرنسا 0

ويجب ان يكون موضع عناية في مصر ايضا وهو ما يشمل :

1- دراسة بلد ما كما يصوره ادب اخر 0

2- دراسة بلد كما يصوره مؤلف ما من امة اخرى 0

1- دراسة بلد ما كما يصوره ادب اخر :

مثال ذلك صورة انجلترا في الادب الفرنسي في القرن التاسع عشر وكذا صورة اسبانيا في الادب العربي منذ الفتح الاسلامي ولمثل هذه الدراسات يجب ان يدرس تاريخ الادباء الذين رحلوا الى ذلك البلد المراد درس صورته وان يشرح الى أي حدث كانت الصور التي رسموها صادقة وان يدرس كذلك المؤلفات الذين كتبوا عن ذلك البلد دون ان يروه وكيف يصور هؤلاء واولئك الاماكن لذلك البلد 0

مثل هذه الدراسات تساعد على فهم الشعوب بعضها لبعض وعلى ادراك كل منها للاخر ادراكا يقوم على اسس صحيحة مما يؤدي الى حسن التفاهم بين الشعوب وتاثير صلتها بعضها ببعض 0

2 – دراسة بلد كما يصوره مؤلف ما من امة اخرى :

ومثال ذلك صورة اسبانيا في شعر شوقي وكذا صورة مصر في مؤلفات ( جيراردى نرفال ) وفي هذه الحالة تدرس حياة الكاتب ومدى صلته بالبلد المقصود ثم يبين كيف استقى معلوماته او كيف راى البلد راي العين والى حد كانت الصورة التي رسمها لذلك البلد صادقة او كاملة 0

* هذا مجمل اوردناه لفروع الادب المقارن واتبعنا في هذا الاجمال بعض الباحثين الغربيين ثم لاننا محتاجون لهذا الاجمال في بعض اقسام الجراسة الجامعية التي تدرس بالتفصيل مسائل مقارنة معينة ولا يتسع وقت الدراسة فيها لسوى الوقوف على هذا المنهج المجمل اعتمادا على التفصيل فيه اثناء التطبيق في دراسة المسائل المقارنة التي تدرس تلك الاقسام 0

عالمية الادب وعواملها

هذه هي الخطوة الاولى التي تبدا بها البحوث المقارنة وقد يقتصر الدارس عليها واساس البحث فيها تاريخي قبل كل شيء اذ يجب علينا اولا ان نوضح الاسباب التاريخية التي بها توافرت للادب المؤثر هذه العالمية في صلته بالادب المتاثر 0

وعالمية الادب معناه خروجه من نطاق اللغة التي كتب بها الى ادب لغة او اداب لغات اخر 0 وهذه العالمية ظاهرة عامة بين الادب في عصور معينة ويتطلبها الادب المؤثر في بعض العصور بسبب عوامل خاصة تدفعه الى الخروج من حدود قوميته اما للتاثير في الاداب الاخرى واما نشدانا لما به يتغنى ويكمل ويساير الركب الادبي العالمي ومن نتائج هذه العالمية حدوث تغيير شامل في عالم الفكر والادب 0

هذا ولا نقصد ابدا هنا ان توقع تحققه جوته الالماني ومن ساروا على نهجه مما سموه ( الادب العالمي ) يريدون بذلك ان الاداب العالمية – حيث يتم تجاوبها بعضها ببعض – لن تلبث ان تتوحد جميعا في اجناسها واصولها الفنية وغاياتها او الاقليم لان فكرة ( الادب العالمي ) في راينا مستحيلة التحقيق ذلك ان الادب – قبل كل شيء – استجابة للحاجات الفكرية والاجتماعية للوطن وللقومية وموضوعه تغذيه هذه الحاجات فهي محلية موضوعية اولا وهي تشف حتما غايات عالمية ولكن من وراء التعبير عن المسائل والامال والالام القومية وما يتبع ذلك من المواقف النفسية والخواطر الذاتية التي لا بد ان تدل اولا على حال المؤلف بوصفه مواطنا او فردا من جماعة كبيرة ومن وراء الموقف المحدد الذي يتوجه به الكاتب الى جمهوره الخاص تتراءى المعاني الانسانية العامة فالاداب وطنية قومية اولا وخلود الاثار الادبية لا ياتي من جهة عالمية دلالتها ولكنه ينتج عن صدقها وتعميقها في الوعي الوطني والتاريخي واصالتها الفنية في تصوير امالها والامها النفسية والاجتماعية المشتركة بين الكاتب وجمهوره واذن فالذي نقصده هذا هو ( عالمية الادب ) لا ( الادب العالمي )

و ( عالمية الادب ) في معناها – وهو خروج الاداب من حدودها القومية طلبا لكل ماهو جديد مفيد تهضمه وتتغذى به واستجابة لضرورة التعاون الفكري والفني بعضها مع بعض – لها اسسها العامة التي تحدد سيرها وهي :

1- من هذه الاسس اختيار الادب المتاثر من الاداب الاخرى : على حسب حاجته ينشد في هذا الاختيار دوافع نهضته وتقدمه ليكمل الماثور من تراثة القومي ويغنيه فيجب ان يكون الباعث الاول لي هذا الاختيار هو الحرص على توفير عوامل النهوض للادب القومي لئلا يقف معزولا منطويا على نفسه متخلفا عن اداء رسالته اصالة اللغة القومية وتقاليدها الموروثة وامكانيات اهلها الفكرية والاجتماعية وطاقتها الفنية في التعبير والصياغه كل هذه تقف بمثابة حراس امناء وموانع حصينة كي لا ينجرف هذا الاختيار عن غايته خوفا من ان تنمحي الحدود القومية او خصائص العبقرية اللغوية للادب المتاثر وهي التي يراد اكمالها واغناؤها بهذا الاختيار وكل كاتب يشتط في هذا الاختيار والاقتباس فيغطي على اصول اللغة وتراثها يتعرض لخطر قطع علاقاته – لا مع قرائه وجمهوره فحسب – بل روح اللغة القومية وامكانياتها في التعبير ولهذا كان لا بد – في هذا الاختيار والاقتباس – من امناء قد تعمقوا في دراسة ادبهم وطوعوا لغتهم بالاطلاع والوعي والتحصيل وبالتعميق في ادبهم والوقوف على دقائقه لكي ينقلوا بروحها وخصائصها الفنية ما يتطلعوا الى اقتباسه من معان واجناس ادبية وتيارات فكرية لا بد منها في اكمال ثقافتهم العصرية ونهضة ادبهم القومي ولم يقل احد من دعاة التجديد – ولا وزن عندنا لادعيائه – باهمال هذا الشرط الجوهري عند محاولة الافادة من الاداب الاخرى متى دعت الحاجة الادب القومي اليها فاذا حدث ان اغفل الكتاب المتأثرون مايجب عليهم من اكمال ثقافتهم الادبية في لغتهم وانغمسوا في ذلك في الاداب التي يعجبون بها فإنهم يخرجون على جمهورهم برطانة لا تغنى ولا تفقدهم لغتهم القومية كما يفقدهم ادبهم فيكونون كمن يحاول ان يرتوي من نهر فيغرق فيه 0

2- فمحور التاثر في الادب او الافادة من الاداب الاخرى هو الاصالة : اصالة الافراد القومية وبها تتحقق المحاكاة الرشيدة المثمرة والخطر كل الخطر في التقليد الاعمى فما اشبه بتقليد القرود لما يرون من حركات او تقليد الاطفال لجميع حركات ابائهم ومربيهم دون رشد 0 وعلاقة المتاثر او المحاكي – في هذه الحالة – ليست علاقة التابع بالمتبوع ولا علاقة الخاضع المسود بسيده بلا علاقة المهتدي بنماذج فنية او فكرية يطبعها بطابعه ويضفي عليه صبغه قوميته 0 وهذه هي الاصالة الحق فالاصالة ليست في بقاء المرء في حدود ذاته وليست هي اباء التجاوب مع العالم الخارجي لكي يبقى المرء كما هو دون تغير او تحوير ولكن الاصالة الحق هي القدرة على الافادة من مظان الافادة الخارجية عن نطاق الذات حتى ينسى الارتقاء بالذات عن طريق تنمية امكانياتها ولا يستطيع امرؤ ان يصقل نفسه ولا ان يبلغ اقصى ما يتيسر له من كمال الا بجلاء ذهنه بأفكار الاخرين وبالاخذ بالمفيد من ارائهم ودعواتهم 0

3- وهذه الدعوات تتوجه الى الصفوة من ذوي المواهب الذين يخرجون من نطاق ادبهم تلبية لحاجتهم الفكرية والفنية اينما وجدت 0 وهم يتبعون عادة روح الحركة الفكرية والفنية واتجاها العام وقد يرون في عيون الاداب الاخرى مالم يرى مؤلفوها انفسهم لانهم ينسون بها مواهبهم هم واستعداداتهم وقد راينا كيف نظر كارليل الانجليزي ومن تبعه الى جوته الالماني وكيف فهموا اثاره بما يتفق وميولم وفي هذا الباب قد يكون التاويل الخاطئ خصبا في تلقيح الادب القومي وانتاج ثمرات فنية ذات قيمة لم تكن في الحقيقة مقصودة للكاتب او الادب المؤثر 0 وهذا هو الشاعر الفارسي عمر الخيام المتوفي في اواخر الربع الاول من القرن الثاني عشر الميلادي وكان قد عبر في رباعياته المشهورة عن ضيقه بهذا العالم تعبيرا حرا من القيود العامة ولكنه تعبير يشف عن اسى المفكر وتشاؤم الفيلسوف وشعور الفتان المرهف الاحساس ولم تلق رباعياته حظوة لدى المعاصرين من مواطنيه بل كان بها لدى الكثرة الغالبة منهم مظنة ريبة ومثار بغض وكانت شهرته عند الفرس مقصورة على مكانته العلمية وقد راى كتاب القرن التاسع عشر الاوروبي وشعراؤه في تلك الرباعيات تعبيرا عن روح عصرهم اذ كان الصراع في عصرهم قد بلغ اشده بين العلم في حقائقه المادية وبين المثالية المبنية على اسس خلقية و دينية غير ثابته واصبحت للخيام – منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر – حظوة فاقت كثيرا ما كان له من منزلة لدى مواطنيه وتحقق هذا كله بفضل استحياء اولئك الشعراء والكتاب تلك الرباعيات دون ترجمتها حرفيا واول فضل في تلك يرجع الى الشاعر الانجليزي فتزجرالد فإن رباعياته التي نظمها تعد من عيون الادب الانجليزي لا الفارسي لانه لم يزد على ان استوحى الادب الفارسي فقد غير و نقل وزاد على الاصل الفارسي بحيث لم تعد ترجمته وفية للاصل وانبدت جميلة رائعة فهي افكار وخواطر انجليزية على الرغم من طابعها الشرقي العام وعلى الرغم من اصل افكارها الفارسي على ان بها ست عشر رباعية ليس لها اصل فارسي وهي نسبة ليست باليسيرة اذا قيست بمجموع الرباعيات التي نظمها فيتزجرالد وهي تسع وسبعون وبهذا التصرف الاصيل امتدت خواطر الخيام واراؤه في العالم الغربي كله ولقيت رواجا لم تضفر بما يقرب منه في وطنها الاصلي بل انها اثرت بعد هذا الرواج في مواطني الخيام فقدروه اكثر مما كانوا يقدرون 0

4- فليست صنوف التاثر الادبية سوى بعث وتوجيه تفيد منها الصفوة من كتاب الادب القومي 0 وهي بمثابة التلقيح والاخصاب للادب او بمثابة بذور فنية وفكرية تستنبت في اداب غير ادابها متى تهيأ لها العصر الملائم والعوامل المساعدة 0

5- فلا بد من ان تتهيأ لها حالة استقبال مناسبة لدى الكاتب المتاثر في ادبه بالكتب والمؤلفين الذين تأثر بهم 0 وفي هذه الحالة تتجاوب الميول وتتشابه الطبائع وتتماثل الحالات ولكنها بالنسبة للكاتب المتاثر ليست سوى امكانيات وميول 0 تتطلب ظهورا وتوجيها وتغذية يعوزها الادب القومي ويصادفها – بفضل العبقريين من اهله – في الافاق الفسيحة للاداب الاخرى 0

كتب الشاعر الفرنسي بودلير الى صديقه يقول :

( اتعرف لماذا ترجمت في صبر ودأب ما كتبه ادجار الان بو لانه كان يشبهني , ففي اول مرة تصفحت فيها كتابا من كتبه رايت فيه ماكان مثار فتنتي وروعتي ولم اعثر فيه على الموضوعات التي كنت احلم بها فحسب ولكني وجدت فيه كذلك الجمل التي كان تراود افكاري وكان له السبق الى كتاباتها قبلي بعشرين عاما 0

وفي هذا المجال – مجال التجارب في الميول والاتجاهات الفنية والفكرية – تنمحي الحدود المعوقة في اللغة والجنس يشعر الكاتب الذي يحاكي الاخرين ويتاثر بهم بصدد من يشبهون موطنيه لكثرة ما بينه وبينهم تشابه بل انه ليشعر انهم مشاركوه في وطنه الفكري المثالي وهم في الواقع يخدمون وطنه باغناء ادبه والاسهام في نهضته الفكرية في حدود ما سبق ان ذكرنا من قيود وبهم يتحقق في الادب المتاثر مالم يكن قبلهم سوى امكانيات وميول ونزعات حائرة فالكاتب المحدد يبحث في المصادر الخارجية عن نطاق ادبه عما هو موجود في نفسه سلفا وجودا امكانيا مصداقا لما يقال :

( لن تبحث عني اذا لم يكن قد سبق ان لقيتني )

وتبادل التاثير والتاثر مجال تنافس وحيوية واقوى ضمان لتقدم الادب الوطني والقومي وهذا الفيلسوف دالمبير وهو من كبار المفكرين في عصر خطير من تاريخ الانسانية تبادلت فيه اوروبا التيارات الفكرية والفنية – يقول في عام 1768 م على كل الامم المستنيرة ان تعطي وتاخذ هذه حقيقة جد جوهرية لتقدم الاداب بحيث لا يصح ان ينساها او يهون من شانها اولئك الذين يمارسون الادب والامة الفرنسية بخاصة قد شعرت من قديم بفوائد تبادل الصلات بين الاداب 0

وعالمية الادب هذه تجعلنا ننظر الى ادبنا القومي نظرة اعم واعمق اذ تعده ادبا بين الاداب العالمية المختلفة الاخرى يغني بصلاته بها وينتهج المفيد من مناهجها فالاثار الادبية العالمية تؤلف وحدة يقاس الانتاج الادبي الحديث بنسبته اليها فأدبنا الحديث يجب ان يقوم – لا على اساس ادبنا القومي في ماضيه فحسب – بل يقوم كذلك على انه لبنة في ذلك البناء العالمي الشامخ وبذلك يكون اكتشاف الاداب الكبرى والارتواء من مناهلها في القديم والحديث من اسباب تقدم ادبنا ومن بواعث تعديل نظرتنا الى ادبنا القومي فالادب الجديد – اذا كان جديدا عبقريا – يضيف طريقا الى الاداب كلها ويسمو بنظرتنا الى الادب جملة ويجعلنا نقوم ادبنا القديم تقويما اخر بالنسبة الى هذه الادب الجديد العبقري 0

وبسبب تبادل التيارات الفكرية والفنية في الادب ونقده نهضت الاداب القومية فقد اتى عصر النهضة في اوروبا ثماره برجوعه الى الادب القديم اليوناني والروماني وصدرت المذاهب الادبية في نشاتها عن اداب مختلفة فما لبثت ان اصبحت تيارات فكرية عامة وموردا سائغا لذوي المواهب في الاداب جميعا على سواء 0

ود نهض الادب العربي القديم في العصر العباسي واستجدت فيه اجناس ادبية وصور فنية وموضوعات شتى بتاثره بالادب الايراني والهندي عن طريق الفارسية ثم بتاثره بالفكر اليوناني ونهضتنا الادبية الحديثة ترجع في اصولها العميقة الى موارد من الادب الغربي بحيث لا يستطيع الناقد ان يخطو فيه خطوة ما لم يكن على صلة وثيقة بالاداب الغربية وتيارات النقد فيه 0

هذا والعالمية في الادب لها ( أ ) عوامل عامة و( ب ) عوامل خاصة ,, نوجز القول في كل منهما :

( أ ) العوامل العامة لعالمية الادب :

نقصد بالعوامل العامة تلك التي تكون سببا في وجود العالمية ولكنها ليست عوامل فنية 0 ودارس الادب المقارن لا بد ان يكون على وعي بها وان يتعرض لها في دراسته للمسائل المقارنة على انها من عوامل للتاثر والصلات بين الاداب وهذه الصلات التي هي نتيجة للعوامل العامة – هي التي تكون ذات طابع ادبي وفكري نتعرض لبيانه في العوامل الخاصة اللاحقة 0

والعوامل العامة هي : شعور ذوي المواهب الناضجة بنقص الادب القومي وعدم كفايته لحاجات العصر والهجرات والحروب والغزو وبخاصة في العصور السالفة ثم وسائل المدنية الحديثة لنشر الثقافات وهي الوسائل التي يسير استجابة الافراد والجماعات المثقفة لما به يكملون ثقافيا وينهضون فكريا 0

ونجمل الان القول في كل عامل من هذه العوامل :

1- اول هذه العوامل هو شعور ذوي المذاهب الرشيدة بعدم كفاية ادبهم القومي للاستجابة لحاجات عصرهم , وهذه هي نقطة البدء في التاثير والتجديد وهي تمثل ملال الكتاب والشعراء للمالوف من تقاليد ادبهم وصوره الفنية وهذا الملال هو سبب خروج هؤلاء الكتاب والشعراء من نطاق ادبهم القومي طلبا للجديد من الاداب الاخرى , ويتمثل هذا الخروج في شبه ثورة على القديم وحرص على اكماله في وقت معا ,, يقول جوته ( ينتهي كل ادب الى الضيق بذات نفسه اذا لم تأت اليه نفائس الاداب الاخرى لتجدد الخلق في ديباجته )

ويدعو المجددون الى الافادة من هذه النفائس وتتضمن دعوتهم اعادة النظر في قيمة تراثهم الادبي على ضوء جديد وفي اثر ذلك تقوم – عادة – المعركة المالوفة في كل عصر حي ناهض بين اولئك المجددين ودعاه المحافظة على القديم الواقفين عنده لا يتجاوزون حدوده 0

وهذه هي معركة الاجيال بين القديم والجديد وفيها يزعم دعاة الوقوف عند القديم ان في الجديد خطرا على الموروث من ادبهم وقضاء على تقاليدهم ويفرقون بين الاداب وغيرها من العلوم او الاشياء فيرون ان التبادل بين العلوم الدولية او المصنوعات والمواد التجارية من شأنه ان يفيد اما الاداب والفنون فهي وطنية محضة , وفي نقلها قضاء عليها , وخطر على قومية من تنقل اليهم , وقد سبق أن دحضنا هذه الفردية غير مرة , في ثنايا هذا الفصل وفي مقدمة هذا الكتاب , وقد بينا أن تبادل التأثير والتأثر بين الآداب من طبيعة الأشياء , لا يمكن الحد منه ولا الوقوف دونه , وقد أثبتت تواريخ الآداب كلها أن عصور نهضتها هي تلك التي تنطلق فيها تطلب المزيد والغناء من غيرها .

ولا خطر في ذلك على القيم من تراثنا , ثم إن واجبنا إزاءه يحملنا على مسايرة الركب العالمى فيه , بأن نظل على وعى شامل بما فيه نماء ذلك التراث الفني والفكرى , بما تسعه قدرتنا من وسائل , ومنها ورود مناهل الآداب الأخرى والاختيار منها على نحو ما شرحنا , وفى الحدود التي قيدنا بها ذلك الاختيار .

على أن فى طبيعة كل أدب , وفى خصائص أهله وتقاليدهم , ما يقوم بمثابة حواجز تنفى مالا يتفق من هذه التيارات مع طاقاتنا الحيوية والفنية , فنحن ـ مثلا ـ لم ننتهج مذهبا أدبيا من المذاهب الغربية بمبادئه كلها , بل اخترنا من هذه المذاهب جميعها بعض ما نستطيع أخذه لنكمل به أدبنا , وقد تأثرنا بالكلاسيكية أولا , فأخذنا عنها دون غيرها من المذاهب , وعلى الرغم من أنها كانت قد ماتت فى الآداب الأوروبية حين بدأنا نهضتنا , وذلك لأنها كانت تتفق فى ذلك الوقت مع القائم من تقاليدنا والثابت المرعى من أفكارنا ونظمنا , فالقومية والوطنية كلاهما بمثابة مصفاة فيما يخص مواطن التأثير والتأثر بين الآداب , هذا إلى وجوب ملاحظة ما سبق أن قلناه من ضرورة المحافظة على الأصالة , وعلى مقومات اللغة , ومن الحرص كل الحرص على سد حاجاتنا بالإفادة من كل جديد قيم , ومدار الأمر فى ذلك ما يساق من نظريات وحجيج يتميز بها ماهو من طبيعة الفن وعماد نهضته مما هو تحكمى لا سند له , فمن الخطر إنكار الجديد لأنه جديد , بل يجب تبرير الحملة عليه بحجج أخرى , كالنزعة الى الحدة لذات الحدة , او لمجرد أنها أيسر وأسهل فلا سند لما لا يستند على أساس والعبارات الفكرية والفنية الرشيدة كالاختراعات العلمية المفيدة , كلاهما ميراث مشترك قيم للإنسانية جمعاء.

وإزاء التطرف من الجامدين فى زعمهم أنهم حريصون على القديم , وأن لا قيمة للجديد , يتطرف كذلك دعاة التجديد عادة , فينكرون كل فضل للقديم , وفي الحق

يظهر هذا التطرف بين معسكري القديم والجديد طابعا عاما فى معاك التجديد جميعا والتجديد ثورة ومألوف التطرف فى عهود الثورات فى الأعم الأغلب من حالاتها وحين تكون أسلحتها عقلية فنية محضة ولا يلبث ان يتم الظفر لدعاة التجديد فتعدلت لهجتهم ويعرفون فضل القديم فى عصره ويتجلى آنذاك حرصهم على إغناء قديمهم الموروث بالطريف المكتسب .

على أن الدعوة الى الجديد ـ على ما يصحبها عادة من حمق المغالاة وخطر التطرف ـ تظل دائما أمارة من أمارات الحياة , وفيها تظهر الحماسة والحميا وتتجلى فيها الحاجة إلى بذل الجهد والتنافس فى الاجادة في حيوية جياشة تفضل ـ على أية حال ـ البقاء في الحياة الراكدة في دائرة قيم فنية وفكرية جامدة آسنة لا حركة فيها ولا تجديد .

وفي المعركة بين القديم والجديد يحارب دعاة التجديد بأسلحتهم القوية الحديثة , ويقاومهم دعاة الجمود بأسلحة بالية مضى أوانها ويرى المتأمل للمعسكرين ما يثير سخريته وضحكه ولكنها السخرية المرة وضحك الاشفاق اذ ليس في المعركة تعادل بين الفريقين على ان دعاة الجمود من هؤلاء كثيرا ما يكونون من الهرمين عقلا وثقافة يدافعون مع ذلك بحججهم البالية ولا تلبث أن تنجلى المعركة عن انتصار الجديد على يد الراشدين من دعائه .

2- العامل الثانى من عوامل عالمية الأدب هو الهجرات , وكانت تنتج في القديم عادة من اضطرابات طبيعة أو سياسية , تنتقل بسببها جماعة من بلد الى بلد آخر فنؤثر فى ادب البلد الآخر وتفكيره فالإيرانيون الذين صاحبوا ((فروخ هرمز )) والد ((رستم)) من شرق ايران الى المدائن كانوا سببا في ادخال اللهجة ((الدرية)) ـ وهي في الاصل لغة شرق ايران _ فى بلاد الساسانيين ثم صارت هى اللغة الادبية لإيران بعد استقرار الدويلات الايرانية عقب الفتح الاسلامي وقد هاجر الايرانيون فى الجاهلية الى قلب الجزيرة العربية وأثروا فى أهل المدينة من ناحية الألفاظ والمفردات العربية كما سنمثل له بعد قليل وكذا الجاليات الايرانية ذات الاثر الفكرى والأدبي في البصرة بعد الاسلام وبخاصة في عهد العباسيين وما التجديد في أدب العرب المهاجرين في أمريكا إلا صورة حديثة من أثر الهجرات .

ومقدمة (الإلياذة) نصف عبور القبائل التى طردها (الدوريون) من أوروبا فاستقروا في آسيا الصغرى وقد أشاد (هوميروس) ببطولتهم في حروبهم مع المواطنين الأصلين وأقدم الآثار الأدبية للشعوب الهندية الأوروبية وهى كتب (الفيدا) Vedas ذات الطابع الدينى وقد كانت ثمرة هجرات شعوب نزلوا إقليم (البنجاب) .

3- والعامل الثالث هو الحروب بين الشعوب والدول والحروب المدمرة المشئومة قد تكون طيبة الأثر من جهة الإخصاب العقلى بإتاحة فرص التأثير والتأثر بين الآداب وهذه هى الحروب الصليبية العمياء المتعصبة قد فتحت عيون ذوى البصيرة في الغرب على مجالات نشاط فكرى وأدبي في الأقصوصات الشعبية لأدب فرنسا فى العصور الوسطى وقد سبق أن تحدثنا عن هذه المسألة ومن نتيجة هذه الحروب أيضا تأثير الحياة العاطفية العربية فى شعر(التروبادور)على يد من اشتركوا في هذه الحروب من شعراء فرنسا أيضا وسنفصل بعض التفصيل فى ذلك فى الفصل التالى حين نتحدث فى الاجناس الأدبية .

4- رابع هذه العوامل هو الغزو كما كان مألوفا بخاصة في العصور القديمة ويأتي الغزو عادة نتيجة للحروب وقد يمهد للهجرات وييسر سبيلها ولكنه مع ذلك عامل مستقل أقوى أثرا وأعظم خطرا .

فقد قامت بين العرب والفرس صلات الحوار والهجرات ولكنها ظلت محدودة الأثر حتى كان الفتح الاسلامى الذى مهد لتأثير عميق تغيرت به الروح الايرانية في كثير من خصائصها الفكرية والأدبية والعقيدية وقريب منه تأثير الفتح النورماندى فى انجلترا في القرن الحادى عشر الميلادي وبه صارت الفرنسية في انجلترا هى لغة البلاط والقضاء والبرلمان واللغة الرسمية للدولة مدى قرنين تقريبا .

وعامل الغزو السابق الذكر لم يعد ذا أثر فعال في عصرنا الحاضر ثم أن العوامل الثلاثة السابقة كانت تتيح التأثير والتأثر بين الآداب فى شكل جماعى فيتأثر أدب القوم أو الوطن كله بسبب تلك العوامل تأثرا عاما شاملا يخضع له الأفراد لأنهم الذين يكونون ذلك المجموع فكان لتلاقى الأجناس البشرية والشعوب والديانات أثرها الفاصل فى تلك الجماعات فى ظل تلك العوامل وأما في العصور الحديثة وبخاصة في عصرنا الحاضر فيظهر التأثير الادبي فرديا في مبدئه وذلك أن أجهزه الثقافة الحديثة وسرعة انتشارها أوجدت نوعا من التنافس الفنى أو الادبي يشبه التنافس العلمى وهذا التنافس يظهر في صورة تجاوب بين ميول الافراد مواهبهم في الاداب الاخرى وأجهزة الثقافة هذه تدور حول الكتب وما في حكمها من صحف ومجلات ونواد أدبية أما دار الخيالة والمذياع فلهما تأثير كبير في التوجيه العام وفي اثاره وجوه النشاط وقد يصعب في الادب المقارن تحديد تأثيرهما وتأثير الكتب وما في حكمها تأثير فنى قديم العصور وحديثها وهو مدار العوامل الخاصة لعالمية الادب .

(ب) العوامل الخاصة لعالمية الادب
هذه العوامل أقرب الى جوهر الادب المقارن من العوامل العامة السابقة وتتطلب من الباحث مقدرة خاصة على جلاء طابعها الفنى المتصل اتصالا مباشرا بتحديد التأثير والتأثر بين الاداب ويمكن أن نجمل هذه العوامل الخاصة في الكتب

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:08 pm

وما في حكمها ثم في الكتاب وأهل الادب وفى هذا الفرع من فروع من فروع الادب المقارن ندرس الكتب أو الكتاب بوصف كل منهما من عوامل عالمية الادب أي خروجه من نطاق لغة اهله الى آداب لغات اخرى ليرد منها ما يروى به حاجته أو ليورد اليها من تياراته الفكرية والفنية ما به تروى ونتناول الآن بالتفصيل حالات هذه العوامل الخاصة مع التمثيل لكل منها .

أولا: الكتب :

لدراسة الكتب بوصفها وسيلة من وسائل تأثير أدب فى ادب ـ وهو موضوع هذا الفصل ـ أهمية كبيرة في تحديد طرق هذا التأثير وبيان وجهته . وتظهر هذه الأهمية في النواحى الآتية :

1- الإلمام بالمعارف اللغوية التى تعرفها أمة عن أمة اخرى مع شرح ما قد يكون لها من دلالات أدبية أو اجتماعية . وهذه هى نقطة البدء فى البحوث المقارنة ثم أنها أولى مظاهر العلاقات بين الاداب فى تأثيرها الى مالها بعد ذلك من دلالات نفسية وفنية

ونضرب لها مثلا يهمنا في علاقة أدبنا بالأدب الفارسي وهو ما نجده في الكتب العربية من أثارات متفرقة للغة الفرس وأغانيهم وأشعارهم الشعبية وبخاصة فيما بين الفتح العربي لإيران (الذي بدأ بفتح القادسية عام 637م)17 هـ وعد منتهيا موت يزدجرد آخر ملوك الساسانيين عام (652م) وبين استقرار الدويلات السياسية في بلاد ايران في أواخر القرن التاسع الميلادى وهو العهد الذى قامت فيه اللغة الفارسية الحديثة بوصفها لغة الأدب الإيراني بعد الفتح فى تلك الفترة لو تتبعنا معارف العرب من لغة ايران كما هي في الكتب العربية المؤلفة لتلك الفترة لوقفنا على معارف قيمة عن دور اللغة الايرانية التي لم تكن قد قامت بعد لغة ادب ولوقفنا كذلك على عمق الصلات اللغوية والأدبية بين هاتين الامتين منذ القديم وهذا بحث خصب يجب ان تستقل به رسالة من الرسائل ولكننا نضرب هنا امثلة لبعض نواحيه المتعددة ودلالتها .

فمن ذلك ما فى كتاب (المحاسن والأضداد ) المنسوب الى الجاحظ إذ يقول (ووقع عبدالله بن طاهر ) من سعى وعى , ومن لزم المنام رأى الاحلام ثم يعقب المؤلف على ذلك بقوله : هذا المعنى سرقة من توقيعات (أنور شروان) فإنه يقول :هركة روذ جرذ وركة خسيد خواب بيند )فلهذا الخبر دلالة ادبية على اصل جنس التوقيعات المألوفة عند حكام العرب الى ما فيه من دلالة على سيطرة اللغة (الدرية ) على أهل البلاط الفارسي في العصر الساسانى وهى اللغة التى سادت بعد ذلك وأصبحت لغة الادب بعد الفتح اذ أن هذه الجملة باللغة الدرية لا البهلوية .

ومن ذلك ما يحكيه الطبري وأبو الفرج الأصفهانى من أن الشاعر العربي يزيد بن مفرغ كان قد غضب عليه عبيد الله بن زياد أمير البصره في عهد يزيد بن معاوية فأمر أن يطاف به في الشوارع والأسواق وسار الأطفال في اثره يقولون ـ أو

قال ذلك أحد الفرس على حسب الطبرى ـ: (أين شيست ؟ أين شيست ؟ ) (أين جيست ؟ أين جيست ؟ ـ ماهذا ؟ ماهذا ؟ ) واذ ذاك أجاب هذا الشاعر بالفارسية :

آبست ونبيذ آست عصارات زبيب است

سميه روسى است

فهذا الخبر دليل على وجود جالية فارسية ذات أثر في البصرة وهي مدينة عربية ثم دليل على انتشار لهجة ايران في ذلك الوقت بين العرب اذ ان شاعرا عربيا نطق بهذه الابيات الفارسية ثم ان في الابيات دليلا على استمرار اللهجة الدرية بين الايرانيين لغة شعبية انتظارا لفترة رقيها كى تكون لغة ادبية .

ويذكر الجاحظ خبرا عميق الدلالة على قدم الهجرات من ايران الى بلاد العرب وعلى ما كان لها من اثر في معرفة أهل المدن العربية كثيرا من ألفاظ الفرس وإدخالها في لغتهم يقول الجاحظ : ( ألا ترى أن اهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من الفاظهم )؟ ولذلك يسمون البطيخ الخربز ويسمون السميط الروذق ويسمون المصوص المزوز ويسمون الشرنج الاشترنج وكذا اهل الكوفة فإنهم يسمون المسجاة بال وبال الفارسية .

ولو علق ذلك لغة أهل البصرة ـ اذ نزلوا بأدنى بلاد فارس وأقصى بلاد العرب ـ كان ذلك أشبه اذ كان اهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط وأقصى بلاد العرب ويسمى اهل الكوفة الحوك (البقلة الحمقاء أو الرجلة ) باذروج (ـ باذروج ) والباذروج بالفارسية الحوك والحوك كلمة عربية واهل البصرة اذا التقيت اربعة طرق يسمونها مربعة ويسميها اهل الكوفة الجهارسو والجهارسو بالفارسية ويسمون

السوق أو السويقة وازار (بازار ) والوزارا بالفارسية ويسمون القثاء خبارا والخبار فارسية ويسمون المجزوم ويدى (ويدى ) بالفارسية .

وقد تكون هذه الالفاظ اللغوية المقتبسة اساسا لأمثال عربية أو معان ادبية او عقد مشابهات تصويرية كما يقول الجاحظ ( الحيوان ج 1 ص 65 ) (وزعموا أن الزرافة خلق مركب من بين الناقة الوحشية وبين البقرة الوحشية وبين الذيخ وهو ذكر الضبع وذلك أنهم رأوا أن أسماءها بالفارسية : اشتركاو بلنكث وتأويل اشتر بعير وتأويل كاو بقرة وتأويل بلنكث ضبع والفرس تسمى الاشياء بالاشتقاقات كما تقول للنعامة : اشتر مرغ كأنهم في التقدير قالوا : طائر وجمل ) ثم يقول في موضع اخر ( الحيوان ج4 ص197 ) (يضربون بها ـ بالنعامة ـ المثل بالرجل اذ كان ممن يعتل في شيء يكلفونه بعلة وان اختلف التكليف وهو في قولهم انما انت نعامة اذا قيل لها احملى قالت انا طائر وإذا قيل لها طيرى قالت انا بعير ولا شك ان بناء هذا المثل على معنى الاسم الاشتقاقى عند الفرس كما يؤخذ من كلام الجاحظ في الموضعين .

ولقد بلغ من معرفة العرب للغة الفرس في الفترة التى لم تكن لغتهم فيها قد ارتقت الى مترتبة ادبية بعد الفتح ـ وهي الفترة التى سبق ان حددناها ـ ان شعراء العرب كانوا يتلحمون بألفاظ من الكلام الفارسي في اشعارهم وذلك كما قول العمانى الرشيد في أرجوزته التى مدحه فيها على حسب ما ذكره الجاحظ

من يلقه من بطل مسرندى في زعفة محكمة بالسرد

يحول بين رأسه و (الكرد)

ومنها :

لما هو بين غياض الاسد وصار في كف الهزبر الورد

آلى يذوق الدهر (آب ســـــــــــــــــــــــــــرد)

ومن ذلك ايضا قول شاعر عربي اخر وفي شعره دلاله لغوية على شيء من لهجات ايران :

وولهنى وقع الاسنة والقنا وكافر (كوبات ) لها عجر قفذ

بأيدى رجال ما كلامى كلامهم

يسوموننى (مردا ) وما انا والمراد ؟

والمعنى مستقيم على ان ( مرد ) بضم الميم هو انسان وهي لهجة ايرانية في (مرد) بفتح الميم وفي نفس المعنى .

هذا الى ان في دراسة ما استعاره العرب من الفرس من كلمات ـ منذ الجاهلية ـ ما يدل على سعة أفق العرب ومرونتهم وحرصهم على إغناء لغتهم بما يعوزها من كلمات مدنية وإدارية كان الفرس قد سبقوهم الى معانيها مثل هذه الكلمات وزير، خراج ، بريد ، صولجان لا .. وهي كلمات تتصل بالسياسة والإدارة ثم مثل هذه الكلمات التى تدل على مظاهر المدنية في اللباس والطعام : الخوان الديباج ،الخز، الاستبرق ،الجلاب (ماء الورد أصله : كل اب والأبريق، والروذق ،والفبروزج ـ فيروزه) ـ وطعام الفالوذج (بالوده) .

وقد تدل استعاره اللفظ على نوع العلاقة الدولية التى سادت بين أمتين فقد طبع الدين علاقات العرب الفاتحين بالإيرانيين المسودين فلما استعار هؤلاء من العرب كلمة (ملة ) ـ وهي اللغة العربية معناها الشريعة أو الدين ـ أصبح لها في لغة الفرس معنى الحكومة أو الشعب الأمة بوصف كل منها وحدة دينية فيقال مثلا :(ملت إيران ) أي الشعب أو الأمة الايرانية وكذا كلمة (بسمل ) وهى اختصار (بسم الله ) صار معناها حين انتقلت الى الفارسية : الحيوان المذبوح ( بعد اطلاق اسم الله عليه للتذكية ) ومنها أتى لفظ ،سملكاه ) لمكان الذبح او المجزر و(بسمل كردن ) بمعنى يذبح .

ونظير ذلك فعل Hablar بالفرنسية ومعناها يثرثر فانه معار من الاسبانية Habler بمعنى يتكلم ولكنه استعير فى وقت كانت فيه العلاقة متوترة بين الدولتين (1542م) فاكتسب هذا المعنى الذى ينال من الاسبانيين ويشينهم وفى ذلك كله يستطاع الحكم على نوع العلاقات التى سادت بين الدولتين أو الأدبين وعلى مدى ما تعرفه كل أمة من لغة الاخرى وأدبها وهي كلها مقاصد هامة وأسس فنية ولغوية تساعد على تحديد صلات الاداب بعضها ببعض .

2- دراسة التراجمة بين الادبين :

لدراسة التراجمة أهمية خاصة لدى الباحثين في الادب المقارن إذ هي أساس معرفة ما لاقى الكتاب والشعراء من حظوة لدى الشعوب التى ترجمت لها كتبهم وبها يعرف مدى تأثر الكتاب الاخرين بهم فى تلك الشعوب وقد لغ شهرة بعض الكتاب ان لاقوا نجاحا في غير لغتهم اكثر مما لاقوا لدى أبناء أدبهم من معاصريهم فمثلا ظهر في المانيا كاتب (ديدور ) Dideort المسى (ابن أخى رامو ) Le neveu de Rameau الذى ترجمه (جوتة ) الى الالمانية عام 1804 على حين ظهر الاصل الفرنسي في باريس عام 1832 وكذا قصة (روسو) Rousseau المسماه :( هلويز الجديدة ) La Novyelle Heloise ظهرت الطبعة الاولى منها هولاندة في نوفمبر عام 1960 وفي إبريل عام 1761 كان قد ظهر من الترجمة الإنجليزية لها طبعتان في انجلترا وفي هذا دليل على مقدار ما لاقى هذان الكاتبان الفرنسيان من نجاح وعلى ما كان لهما من تأثير لدى الالمان والانجليز .

ولدراسة الترجمة أهمية اخرى في الوقوف على أذواق كل عصر وبيان اتجاهاته العامة فقد لوحظ مثلا ان (شكسبير) لم يلق نجاحا لدى معاصريه من الأوروبيين ولا لدى من جاء بعدهم بقدر ما لاقى في القرن الثامن عشر بعد أن اكتشفه (فولتير).

وقد تكون الترجمة سببا في نشر أذواق أدبية خاصة من لغة لى لغة فقد لعبت الترجمة من العربية للفارسية الحديثة دورا كبيرا في تطور النثر الفارسي فكانت ترجمة تاريخ الطبري على يد الوزير السلمانى ( أبى على محمد بن محمد البلعمى) اقدم ما وصل الينا من نثر تلك اللغة وكانت مثالا يحتذى في سهولتها وسلاسة أسلوبها وبدأ النثر الفارسي الفني بترجمة كتاب (كليلة ودمنة ) من العربية الى الفارسية الحديثة ترجمة اليها ابو المعالى نصر الله بن محمد .

ويجب الانتباه الى الاختلاف بين الأصل والترجمة فلهذا الاختلاف معناه وسببه من اختلاف ذوق العصر أو ذوق الامة التى ترجم لها ومن اختلاف أغراض المترجمين الاجتماعية او الفردية فيلاحظ مثلا الاختلاف الكبير بين (كليلة ودمنة ) لابن المقفع وبين ترجمته الى الفارسية الحديثة على يد ابي المعالي نصر الله ففي الثانية إطناب وسجع وصبغ للكتاب بصبغة اسلامية واضحة مع الاكثار من الاستشهاد بالشعر وبالحكم العربية ومع كثرة الاستعارات وتصنع الاسلوب وهذا الرفق يميز عصرين مختلفين مر بهما النثر العربي ثم النثر الفارسي بتأثير الادب العربي .

وفي العصور الحديثة تفضل الترجمة الوفية للأصل وينبغى ان تكون جميلة الأداء وفي العصور السالفة كانت تغلب الترجمة الجميلة غير الوفية والوفية غير الجميلة تفقد قيمتها الأدبية قليلا أو كثيرا على حسب حالتها ثم الترجمة غير الوفية وغير الجميلة فلا قيمة لها بصفة عامة .

وقد يكشف الاختلاف بين الترجمة وأصل عن اختلاف في التقاليد الاجتماعية بين الشعوب فمثلا حين ترجمت مسرحية (عطيل) لشكسبير الى اللغة الفرنسية لم يذكر بها منديل (ديديمونا) Desdemona الذي ساقه الضابط (ياجو)Yago دليلا على خيانتها. واستبدلت به أسورة ثم شال ، ثم عصابة ،ثم خصلة من شعر قبل ان يعود اخيرا في ترجمة (ألفريد دى فينى )منديلا كما هو في الاصل وذلك لان التقاليد الاجتماعية القاسية ايام الكلاسيكيين ذوى الذوق المرهف لم تكن لتسمح للفرنسيين بعرض منديل امرأه على مسرح .

3- كتب النقد والصحف والمجلات :

بدون استيعابها لا يمكن ان يكمل بحث في صلات الاداب بعضها ببعض فيجب تحليل ما بها من اراء وفهم ما تحتوي عليه من اشارات وتحديد ما ترسم من اتجاهات .

وقد لا نجد في كتبنا ومجلاتنا ما له صلة مباشرة بالأدب المقارن إذ مثل هذه البحوث لم ينضج بعد عندنا حتى اليوم ولكن الاطلاع عليها مع ذلك ضروري في تحديد اتجاهات العصر وما قد يسودها من تيارات اداب أجنبية وفي بيان مدى تذوق القوم لتلك التيارات وأسبابه الاجتماعية والثقافية .

وقد وجدت في البلاد الاخرى مجلات خاصة بالبحث في الاداب الأجنبية وصلاتها بالأدب القومي مثل (المجلة الانجليزية ) English Review من عام (1825-1840).

وقد قام ( فان تيجم) بدراسة أعداد المجلة الهولاندية المسماة (السنة الأدبية ) L‘annẻe Littẻaire ـ من عام 1754 الى عام 1790 ـ دراسة طويلة مقارنة في كتاب له صدر سنة 1917 .

وعلى من يريد ان يدرس تأثير الاداب الاوروبية في أدبنا الحديث ان يرجع الى المجلات والصحف بوصفها اساسا هاما لدرساتة .

-4أدب الرحلات :

يفسح الادب المقارن مجالا واسعا لدراسة ادب الرحلات لأنها المعين الذى يستقى منه أهل الامة معلوماتهم عن الامم لأية أمة ـ صحيحة كانت تلك الصورة أم مشوهة ـ هي التى تنعكس في قصص الكتاب وفي مسرحيات لمؤلفين بل وفي عقول الساسة والمفكرين وما كتبه الرحالة من الأدباء الفرنسيين في مصر كان موضوع دراسة أستاذى ( جان مارى كاريه ) j. marie carre وقد بين في كتابه كيف صور هؤلاء الرحالة مصر وكيف تنوعت صورهم لها على حسب ميولهم وثقافاتهم كما بين ما كان لهم من تأثير في الإنتاج الأدبي لغيرهم من معاصريهم .

ومن هنا ندرك كيف تفيدنا هذه الدراسات في مكانتنا لدى الشعوب الاخرى وفي معرفة مدى تأثيرنا في ادابهم بعاداتنا ونظمنا وتاريخنا ومناظر بلادنا وكل هذا يعود علينا بالخير في فهمنا لأنفسنا وفي صلاتنا بغيرنا .

وقد يقصد الى دراسة بلد ما كما هو في أدب الرحالة الذين رحلوا اليه او في الانتاج الادبي لأية أمة اخرى وسنتكلم عن هذا النوع من الدراسات في الفصل الاخير من هذا الكتاب .

ثانيا : رجال الأدب من مترجمين ووسطاء :

1ـ المترجمون :

تكلمنا من قبل عن دراسة الترجمة في ذاتها وعنينا بالترجمة تلك التى ليس لأصحابها شهرة خاصة تستوجب دراستهم انفسهم فإذا كان المترجم ذا مكانية أدبية نستوجب دراسته وجب أن نقوم بتلك الدراسة لنبين تأثيره هو بالإضافة الى تأثير ما ترجم .

فيجب مثلا أن ندرس أبا المعالى نصر الله وعصره لأن ترجمته الفارسية لكليلة ودمنة تختلف كثيرا على الاصل العربي لابن المقفع وكان لهذا لاختلاف تأثيرا كبيرا في الادب الفارسي الحديث ولم يأت هذا التأثير من الاصل العربي مباشرة ولكنه صدر عن ثقافة واسعة للمترجم استطاع بها أن يستهوى قومه بأسلوبه في الترجمة وأن يحملهم على محاكاته وان كانت ثقافته هي الاخرى ذات طابع عربي واضح .

ومثل ذلك :ليتورنور (1736_1788) letourner فقد بدل في ترجمته الفرنسية لشكسبير،وللشاعر الإنجليزى (يانج) Youngحتى ظهرت شخصيته في ترجمة واضحة وحتى بعدت ليالي (يانج)عن أصلها فكأنها خلقت جديدا وقد راجت بطابعها الفرنسي في آداب أوروبا جميعا وكان لها فيه تأثير كبير بفضل ذلك المترجم إذ أنه توسع فى معانيها العاطفية التى غذت الحركة الرومانتيكية وحذف ما يتصل منها بالدين المسيحى فلا بد من دراسته ودراسة التقاليد اللاجتماعية والذوق الأدبى فى عصره لأنها هي التى حملته على إلباس ترجمته الثوب الفرنسى

ومثل ذلك أيضا ترجمة الشاعر الإنجليزى (فيتزجرالد)لرباعيات الخيام وتعبيره فيها عن أفكاره هو وعن روح القرن التاسع عشر الإنجليزى والأوروبى وبهذه الترجمة راجت هذه الرباعيات فى أدب أوروبا وأمريكا كما سبق أن أشرنا

2-الوسطاء فى الأدب:

قد يقيض الأدب من الآداب رجل أجنبى عنه يعرف به أمته ويكون داعية له فيهم وكثيرا ما تهيئ ظروف الهجرة والرحلات لذلك الداعية الوسيط القيام برسالته في تعريف قومه بالأدب الذى يدعو إليه ولابد أن يكون ذلك الوسيط ذا ثقافة واسعة وأسلوب قوى ليترك أثرا فى قومه ولسنا نعنى بالدعاية أن يكيل له المدح بل نعنى بها أن يذيعه وينبه لأهميته وإن لم يخل كلامه فيه من نقد قد يكون لاذعا.

وقد بين (فردينان بلد نسبرجيه) في كتابه (الحركة الفكرية فى الهجرات الفرنسية ) :كيف غذى المهاجرون من الكتاب الفرنسيين الفكر والأدب فى فرنسا فقد أدى اكتشاف المسرحية الألمانية الى زلزلة العقلية الكلاسيكية التى كانت سائدة ف فرنسا قبل الهجرة وبفضل هذه الهجرات وجد كتاب (مدام ستال) الذى كان إنجيل الرومانتيكيين.

وكان من ثمراتها كذلك كتاب (عبقرية المسيحية ) وبعض صفحات (مذكرات ما وراء القبر) لشاتر بريان وتبع الهجرات السابقة تجدد فى الروح الفكرية والسياسية كان مقدمة لما ساد القرن التاسع عشر من حركات.

وخير من يمثل الوسطاء الكاتبان الفرنسيان (فولتير) مكتشف (شكسبير)(مدام دى ستال) التى عرفت الفرنسيين بالأدب الألمانى وسنخص هنا كلا منهما بكلمة بوصفه وسيطا بين أدبين.

1- فولتير

من المعلوم أن (فولتير) أقام فى العاصمة الإنجليزية وضواحيها قرابة عامين من 1726_ 1728 وقد حاول فيهما درس اللغة الانجليزية وشاهد بعض مسرحيات (شكسبير) ولكنه مع ذلك قد تأثر أول ما تأثر بمحادثته مع النقاد الانجليز عن (شكسبير) وقد أعجب بشكسبير ولكنه نقده نقدا مرا فأخذ عليه جهله وانه لا يعرف اللاتينية كما أخذ عليه أنه بعيد في مسرحياته عن قواعد الذوق وعن وحدة الزمن والمكان وأنه يعرض على النظارة مناظر وحشية وهذا طابع كلاسيكي يعبر عنه (فولتير) ذو الذوق الكلاسيكى وهناك على سبيل المثال بضعة أسطر عن (شكسبير) من رسائل (فولتير) الفلسفية.



"شكسبير ذو عبقرية يفيض قوة وخصوبة وذو مواهب طبيعية بالغة السمو ولكنه ليس عنده مثقال ذرة من الذوق وهو جاهل كل الجهل بالقواعد وقد آن لآفكار ذلك المؤلف العظيم أن تكتسب بعد قرنين حقها في أن يعترف لها بالسمو والإبداع وتعلمون أن في مسرحية (عطيل) يغتال زوج امرأته على المسرح وتصيح المسكينة حين تهوى صريعة أنها اغتيلت ظلما وتعلمون كذلك أن حفارى القبور في رواية "هملت" Hamiet يحفرون وهم يشربون ويغنون لاهين برءوس الموتى في سخرية ليست بغريبة من مثلهم فى مهنتهم".

ولم يتعمق (فولتير) في دراسة (شكسبير) ولم يقصد إلا الى آراء يبديها ليظهر بها فضله في الاطلاع والنقد وتبحره في الأدب ولكن آراءه كانت ذات أثر عميق في اكتشاف (شكسبير) في القارة الأوروبية جمعاء لمكانته كاتبا ومفكرا ولمنزلة اللغة الفرنسية في عصره فقد كانت لغة أوروبا الثقافية ذات المكانة الأولى.

2- مدام دى ستال

في كتابها عن ألمانيا عام 1814 نشرت كثيرا من الأفكار الجديدة على قومها وكان مصدرها فيها هو الأدب الألمانى وكان لهذه الأفكار تأثير أى تأثير في نشأة المذهب الرومانتيكى وفى الادب الفرنسى كله ، ولنذكر لك بعضها على سبيل المثال (الفرنسيون أمهر الناس في ترتيب المعلومات وطريقة التأليف ولكن الكتب الأقل ترتيبا توحى بالمشاعر القوية ) يجب أن نضرب عن "الوحدات الثلاث " صفحا إذ أنها عائق في سبيل المسرحية التاريخية والوطنية كما أنها أحد الموانع التى تضحى بالجوهر فى سبيل الإبقاء على العرض.) المسرحيات التى ترمى الى قوة الاحساس واحتدام العواطف خير من تلك التى ترمى الى دراسة الطبائع وتحليلها،ولا تدعو"مدام دى ستال" في كل ذلك الى تقليد المسرحيات الألمانية تقليدا ولكنها ترى أن لقاحا جديدا من تلك المسرحيات كفيل بأن ينفث في المسرح الفرنسى روحا جديدة.

3ـ المجتمعات والنوادى الادبية :

هذه المجتمعات والنوادى خير منفذ للتيارات الاجنبية وخير ممهد لها ومشجع على التأثر بها وقديما قام في ايران ما يشبه هذه النوادى فقد كان بلاط الحكام فيها ملتقى العلماء والادباء ممن يعرفون اللغتين العربية والفرنسية فكانوا يناقشون فيها المسائل الادبية التى تخص اداب هاتين اللغتين وكانوا ولوعين برؤية عيون المؤلفات العربية مترجمة الى الفارسية فكان فى ذلك تشجيع للمترجمين وقد ذكر

ابو المعالى نصر الله مترجم كليلة ودمنة من العربية الى الفارسية انه تم له ذلك بفضل التشجيع والنصائح التى ظفر بها تلك المجتمعات .
ومن مظاهر ولوع كبار الادباء في ذلك العهد بالترجمة من كل من هاتين اللغتين الى الاخرى ـ ولوعا كان ذا قيمة كبيرة في توثيق الصلات بين الأدبين ـ ماجرى بين الصاحب بن عباد وبديع الزمان الهمذانى فقد اراد البديع ان يلتحق بخدمة الصاحب وكان البديع على حداثة سنه يجيد نظم الشعر بالعربية وله طبع فياض فسأله الصاحب ان يترجم شعرا الى العربية ثلاثة ابيات فارسية من نظم الشاعر الفارسي منطقى وهى :

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:08 pm

بك مـــــــــــــــوى بدزيدم أزدو زلفت

جــــــــــــــــوز زلف أدى صنم بشأنه

جونانش بسختى همى كــــشــــيـــــدم

جون موركة كندم كشد بخــــــــــــانة

ياموى بخانة شدم بدر كـــــــــــفت

منصور كدامست ازين دو كـــــــــأن ؟

فسأله البديع : أي قافية تريد في ترجتمها الى العربية؟ فعين له الصاحب قافية الطاء فسأله عن البحر الذى يريد نظمها فيه , فأجابه أسرع يا بديع في البحر السريع وهنا بدأ البديع الترجمة مرتجلا فقال :

سرقت من طرته شـــــعـــــــــره حين غدا يمشطها بالمشـــــــــــاط

ثم تدلحت بها مـــثـــــــــــــــــقلا تدلح النمل بحب الحــــــــــنـــــاط

قال أبى : من ولدى منكمـــــــــا كلا كما يدخل سم الخيـــــــــــــاط



وفي البيت الاخير كناية عن نحافة المنصور من الحب فقد بلغت درجة لم يستطع والده معها ان يميز من الشعرة وهى مبالغة كانت مستمحلة في وقتها وفي فرنسا مثلا نرى ان اقدم النوادى وهو نادى (رامبوبية )

Salon de L,Hotel de Rambouillet الذى ازدهر من عام 1624 الى عام 1648 قد سهل نفوذ الآداب الايطالية والأسبانية الى فرنسا في العصر الكلاسيكى وكان نادى (مدام لاسابلير) سبيلا للتأثير العربي في (لافونتين ) كما سنشرح بعد .

وفي القرن الثامن عشر روجت النوادى الادبية في فرنسا لتأثير الادبين الانجليزي والألمانى في الادب الفرنسى وبخاصة الادب الانجليزي وقد مهد ذلك لحركة الرومانتيكيين في فرنسا .

ولا يصح أن نغفل هنا ذكر اهم هذه النوادى في اوروبا في العصر الرومانتيكى وهو نادى (مدام دى ستال ) في قصر كوبيه Chateau de Coppet على شط بحيرة (جنيف ) مابين سنة 1795 وسنة 1821 وقد سبق ان ذكرنا بعض افكارها واهمية هذه الأفكار الادبية .

هذه هى أهم عوامل انتشار الادب بين الشعوب وهى وان لم تكن مقصودة بالدراسة لذاتها فإن اهميتها تحتم دراستها دراسة دقيقة تمهيدا لدراسة الفروع الأخرى التى هى من صميم الأدب المقارن ونأخذ الآن فى دراسة مناهج الأدب المقارن في بحوثها .

الاجناس الادبية

منذ كان نقاد الادب اليوناني – وعلى راسهم افلاطون وارسطو – لا يزال النقاد في الاداب المختلفة على مر العصور ينظرون الى الادب بوصفه اجناسا ادبية أي قوالب عامة فنية تختلف فيما بينها – لا على حسب مؤلفيها او عصورها او مكانها او لغاتها فحسب – ولكن على حسب بنيتها الفنية وما تستلزمه من طابع عام ومن صور تتعلق بالشخصيات الادبية او بالصياغة التعبيرية الجزئية التي ينبغي الا تقوم الا في ظل الوحدة الفنية للجنس الادبي وهذا واضح كل الوضوح في القصة المسرحية والشعر الغنائي بوصفها اجناسا ادبية يتوحد كل جنس منها على حسب خصائصه مهما اختلفت اللغات والاداب والعصور التي ينتمي اليها 0

اذا تتبعنا اشهر الاجناس الادبية لندرسها في نواحيها المقارنة وجدناها قسمين :

1- قسم كان يعالج اصلا في الشعر في الاداب الاوروبية 0

2- واخر يعالج اساسا النثر 0

ومن القسم الاول الملحمة والمسرحية والقصة على لسان الحيوان ,, ومن الثاني القصة والتاريخ في طابعه الادبي والحوار او المناظر 0 ونعالجها الان على هذا الترتيب مبتدئين بالاجناس الادبية التي تعالج في اصلها شعرا 0

الشعرية

الملحمة

الملحمة من حيث انها جنس ادبي هي قصة بطولة تحكى شعرا تحتوي على افعال عجيبة أي على حوادث خارقة العادة وفيها يتجاوز الوصف مع الحوار وصور الشخصيات والخطب ولكن الحكاية هي العصر الذي يسيطر على ماعداه على ان هذه الشخصيات لا تخلو من الاستطرادات وعوارض الاحداث وفي هذه تفترق الملحمة عن المسرحية والقصة افتراقا جوهريا وذلك ان الملحمة لم تزدهر الا في عهود الشعوب الفطرية حيث كان الناس يخالطون بين الخيال والحقيقة وبين الحكاية والتاريخ بل كانوا يهتمون بمغامرات الخيال اكثر مما يهتمون بالواقع على ان الخيال الجامح كان يعيش في وفاق تام مع العقل لذلك العهد اذ ان سهولة الاعتقاد في ظل الحياة الفطرية كانت توفق بين العقل وبين ظهور الارواح والجن وتدخل الملائكة او الشياطين في شئون الناس فكانت اعجب حوادث ( اوديسيا ) هوميروس مثلا مطابقة – في الخيال اليوناني – للتجارب التي يمكن ان يقوم بها ملاح يخوض البحار ويتعرض لعرائسها وعواصفها وهذا هو الذي سوغ مثل هذه العجائب في الملاحم عنصرا جوهريا فيها 0

وهذا العنصر قد يكون تغنيا بآيات بطولة اسطورية وقد يكون تغنيا بمعجزات تتصل بعقيدة الشعب وما الاساطير الا الصور الفطرية الساذجة لعقائد القدماء ومحور البطولة اشخاص وطنيون اسطوريون او من المصطفين من ابطال العقائد الدينية وللملحمة في ابطالها وحوادثها اصول تاريخية لكنها تختلط بالاساطير والخرافات لذلك العهد الذي لم تقم فيه حدود فاصلة بين الحقائق والخيالات وفي الملاحم يتغنى الشعب بماضيه وعجائب هذا الماذي على انه الصورة المثلى التي يحل فيها الشعب اماله ومثله العليا ارضاء لعقائده ونزعاته وقد كانت هذه المثل العليا في تلك العهود الفطرية الاقطاعية مكانها الماضي لا المستقبل والفرد هو محور هذه المثل والنزعات اما الشعب فلا وزن له بجانب الابطال ولا يذكر الا في صدد شرح ضحايا الحرب التي يشنها البطل فيسحق بها من سواه من الطعام وهذا اوضح ما يكون في الملاحم الاولى الفطرية اما في الملاحم المسيحية فيبدو الشعب في صوره الطبيعية ولكن على انه تابع يقوم برسالته الخاصة بعقيدة او تجاه الابطال من سادته 0

وهؤلاء الابطال مصورون جسميا او نفسيا في صور بسيطة ساذجة قوية جافة وتغلب عليها صفة ملازمة تظل بمثابة كنية لهم ففي الياذة هوميروس تذكر دائما هيلين ذات الحزام العميق واخيليوس ذو الاقدام السريعة الخطى وهكتور ذو البيضة النحاسية الحمراء ويقرب هؤلاء الابطال من مصاف الالهة كما ينزل الالهة الى منزلة الناس ويتجلى الاحساس بالطبيعة في تجسيمها في صور الوهية مقدسة فالصاعقة هي صورة جوبيتر والبحر نيبتون والنار فولكان والحب فينوس والالهام ابولون وتتعدد الالهة على النحو حتى يبلغ عددها في روما فيما بعد ثلاثين الفا وماهي الا رموز لقوى الطبيعة المختلفة 0

وقد انتقل هذا الجنس الادبي بخصائصه وطابعه السابق من الادب اليوناني الى الادب اللاتيني وسبق ان اشرنا الى ان الرومانين حاكوا اليونانين في الاجناس الادبية التي بها نما ادبهم وازدهر وبهذا الطابع في البطولة والاساطير وعجائبهم الوثنية الفطرية تاثر شاعر اللاتينيين ( فرجيل ) في ملحمته التي عنوانها ( الانيادة )

وقد نظمها الشاعر في السنين العشر الاخيرة من حياته أي بعد ان استقر سلطان الامبراطور الروماني ( اوغسطس ) على اثره موقعة اكتيوم وهي ملحمة وطنية غايتها الاشادة بأصل الامبراطورية الرومانية على حسب الاسطورة القائلة بأن ( ابنياس ) بعد سقوط طرواده – وهو من اصل طروادي – يخرج منها مع بعض اتباعه ليؤسس الامبراطورية الرومانية في روما في القرن الثامن قبل الميلاد وموضوع ملحمة ( الانيادة ) هو وصول البطل الى ايطاليا لتاسيس الامبراطورية وهي مؤلفة من اثنى عشر جزءا تنقسم بدورها الى قسمين كبيرين :

1- اولهما يحكي اسفار البطل ( ابنياس ) حتى وصوله الى ايطاليا وهي محاكاة فنية دقيقة لاوديسيا ( هوميروس ) وهذا القسم يشمل الكتاب الاول الى السادس 0

2- والقسم الثاني – من الكتاب السابع حتى الثاني عشر – يحكي حروب ( اينياس ) وتغلبه على مناوئيه في منطقة لاسيوم وتاسيسه لامبراطورية الرومان وهي محاكاة للالياذة 0

و ( فرجيل ) في ملحمته السابقة لا يرتفع الى مستوى ( هوميروس ) في ملحمتيه الخالدتين السابقتي الذكر لا من حيث الوحدة فان حب ( ديدون ) لا يرتبط ارتباطا قويا بالحدث ولا من حيث ترتيب الافعال وتقديم الحدث فان الكتب الاولى الستة اقوى اهمية من الكتب الستة الاخيرة خلافا لما هو مالوف من نمو الحدث كلما تقدمت الملحمة كما في ( هيمروس ) ولا من حيث قوة التعبير وحرارة الصياغة اذ ان ( هوميروس ) في هذه المجالات سيد شعراء الملاحم الاقدمين غير منازع وعلى الرغم من ذلك فان المشاعر التي يصفها ( فرجيل ) في شخصياته ارق واقل قسوة وسذاجة من الصفات التي يصور بها ( هوميروس ) شخصياته والديانة في ملحمة ( فرجيل ) اكثر روحية وسموا ثم ان عجائب العالم الاخر والرحلة اليه مما امتاز بها ( فرجيل ) اكثر من ( هوميروس ) فهي اقرب الى عجائب العالم المسيحي الاخروي وقد ترجمت ملحمة الانيادة ترجمات مختلفة في اوروبا طوال العصور الوسطى المسيحية ويضيق المقام هنا عن ذكر هذه التراجم الكثيره ولكن الذي يهمنا هنا ان هذه الملحمة كانت اساسا لتطور جنس الملاحم 0

فنشأت المحلمة الدينية ذات الطابع الرمزي الانساني ممثلة في ( الكوميديا الالهية ) ملحمتي ( هوميروس ) مخالفة تكاد تكون تامة في موضوعها وفي رمزيتها 0 فهي دينية الطابع وموضوعها الرحلة الى العالم الاخر يصف دانته فيها مالا يرى ولكن دانته يقرب ذلك العالم من عالمنا في الشخصيات التي تسكنه مواطنيه الذين يعرفهم في فضائلهم ورذائلهم ولذلك ترى الملحمة – على الرغم من طابعها الغيبي طابعا واقعيا يصف فيه دانته عالم العصور الوسطى حروبه وعقائده واخطاءه يسود ذلك كله طابع ذاتي في وصف بغض الشاعر للنقائض والرذائل الاجتماعية وحبه للفضائل وسمو الخلق ويظهر ذلك فيما يكيل من سباب او يصوغ من تجميد هذا الى ان دانته كان يقصد من وراء هذه الملحمة الى غايات رمزية اشار اليها في اهدائه هذه الملحمة الى صديقه ( كان جرانديه ديلاسكالا ) اذ يقول في هذا الاهداء : يجب ان يعلم ان معنى هذا العمل الادبي – يقصد ملحمته : الكوميديا الالهية ) ليس بسيطا ولكنه متعدد فالمعنى الاول هو المعنى الحرفي والمعنى الاخر يختفي وراء الحروف وهو المعنى الرمزي او الخلقي فموضوع هذا العمل – في معناه الحرفي – هو حال الارواح بعد الموت لان هذه المسالة التي يدور عليها كل هذا الشعر ولكن موضوع – في معناه الرمزي – يعالج فيه الشاعر جحيم هذا العالم الذي نجوبه كاننا مسافرون مع ما لدينا من قدرة بها نستحق الخير او نحرمه فموضوع هذا العمل الادبي اذن هو الانسان بما فيه من فضائل او رذائل بوصفه خاضعا للعدل الالهي المشيب المعاقب )

المسرحية

المسرحية بانواعها المختلفة تفترق عن الملحمة والقصة معا في انها لا تعتمد على السرد او الوصف بل على الحوار وهذا هو ما قصده ارسطو من قبل حين نص على ان محاكاة المسرحية للطبيعة انما تتم عن طريق اشخاص يفعلون لا بواسطة الحكاية وجوهرها الحدث او الفعل فأصل كلمة دراما باليونانية وهي اللفظة المرادفة للمسرحية هو الحدث او الفعل ولذلك تنبني المسرحية على جملة احداث يرتبط بعضها ببعض ارتباطا حيويا او عضويا بحيث تسير في حلقات متتابعة حتى تؤدي الى نتيجة يتطلب الكمال الفني ان تؤخذ من نفس الاحداث السابقة وهذه الاحداث او الافعال خارجية او داخلية فالاولى هي التي تؤثر في الشخصيات والثانية هي ماياتيه الاشخاص في المسرحية بتجاوبهم مع الاحداث الخارجية او نفورهم منها وبعبارة اخرى : الاحداث الداخلية هي الصراع النفسي والمسلك الخلفي فالمسرحية في جوهرها احداث متتابعه منظمة خارجية مترابطة ترابطا وثيقا مع مسلك الشخصيات بحيث تبرر هذا المسلك تبريرا مقنعا واما الوصف فيستعان فيه بمناظر المسرح ويستنتج من خلال الحوار 0

ومن ناحية التطور نشات المسرحية عن الشعر الغنائي فالهجاء البراشق بالشتائم كان فرديا يقصد فيه الشاعر الى النيل من شخص بعيد ثم ارتقى فاصبح جمعا يعالج فيه الشاعر مواطن النقص او مثار الضحك في النقائض العامة وحينئذاك نشات الملهاة فكانت الملهاة اعلى مقاما من الهجاء لانها ذات طابع اجتماعي عام ثم كان لها – الى ذلك – طابع ديني لان اصلها يرجع في بدئه الى اناشيد المرح والسرور التي كان يتغنى بها اليونانيون في اعياد الهتهم وبخاصة اعياد ( ديونيسس ) اله الخصب والنماء واله المسرح وفي هذا الغناء كانوا يمرحون مع النظارة ويسخرون منهم وكان هؤلاء من الرجال وهم الذين يسمونه الجوقة ( الكورس )

وكذلك الماساة كانت تطورا عن اشعار المديح كما كان لها طابع ديني فهي ترجع في الاصل الى اناشيد دينية غنائية كانت تنشدها جوقة في اعياد ( ديونيسوس ) لتشيد بصفات ذلك الاله ثم بعد ذلك كانت تضيف الى مدحه مدح ابطال اخرين ثم اكتسبت هذه الاناشيد طابعا مسرحيا بالتدريج فقد كانت تعتمد اصلا على الطابع الغنائي للجوقة كما كانت تقتصر في بادئ امرها على ممثل واحد مع افراد الجوقة وكان ارسطو اول من نبه الى ان الجوقة ليس لها طابع مسرحي الا بمقدار ارتباطها بالحدث ولذلك مدح الشاعر ( اسخليوس ) بانه كان اول من قلل من اهميتها ومدحه كذلك لانه بدا في مسرحياته بزيادة عدد الممثلين فكان حقا اب الماساة اليونانية يقول ارسطو ( وكان اسخليوس اول من رفع عدد الممثلين من ممثل واحد الى اثنين وقلل من اهمية الجوقة وجعل المكانة الاولى للحوار ثم جاء سوفوكليس فرفع عددهم الى ثلاثة ممثلين وامر برسم المناظر ثم عظم شان الماساة واتسع مجالها فعدلت عن الخرافات القصيرة وعن اللغة الهازلة التي ورثتها عن اصلها الاسطوري واتسمت في النهاية بالحلال وكانت مسرحيات اسخليوس يسودها سلطان القدر ويظل الانسان فيها ضحية القدر دائما ثم تقدم سوفوكليس بالماساة من الجانب الانساني فإلى جانب القدر ظهرت حرية الانسان جلية في صراع نفسي قاس يتجلى انتصار الانسان او تبين عظمته الخلقية في صراعه اذا لم ينتصر 0

ثم خطا الشاعر بوريبيدس خطوات اخرى في اضفاء الصبغة الانسانية والطابع الاقرب الى الواقع على الماساة فبرع اكثر من سابقيه في تصور العواطف الانسانية وجعلها محورا لاهمية المسرحية بدلا من القدر ثم لحظ شئون الحياة اليومية في مسرحياته وهاجم الآلهة الوثنيين كما هاجم النساء 0

واعظم مؤلفي الملاهي من اليونانيين هو ارستوفانس في اسلوبه وحواره وروحه المسرحية كلها 0

وكانت دراسة ارسطو للمسرحية اليونانية وبخاصة للماساة – وهي التي وصلت دراسته فيها كاملة الينا – ذات اثر كبير في سمو النظرة الى المسرحية وفي النهضة بها لا في الادب اليوناني فحسب بل وفي تاثير المسرحية اليونانية كذلك – بما لها من مميزات فنية – في الاداب العالمية بعده 0

ولم يكن اللاتينيون يعنون بالمسرح قبل معرفة الادب اليوناني وقد ظل المسرح لديهم محاكاة للمسرح اليوناني في النواحي الفنية جميعها وسبب هذا التخلف الكبير ان الرومانيين كانوا ولوعين في حفلاتهم برؤية مصارعة المسايغين التي اشتهروا بها والاحاسيس الغليظة كانت تغذيها تلك المناظر التي تتفق والمسرحيات التي لا تثير سوى المشاعر الغليظة والتي تعتمد فنيا على عاطفتي الخوف والرحمة وما يتصل بهما من صفات وحين نشأ المسرح الروماني في معناه الفني – حوالي منتصف القرن الثالث قبل الميلاد – كانت موضوعاته ومناظره وملابسه كلها اغريقية فكان اليونانيون هم الخالقون وكان مبلغ جهد الرومانيين ان يقلدوا 0

ومن بين من برعوا في الملهاة من الرومانيين نخص بالذكر بلوتوس وكان ذا اصالة في تصوير شخصيات ملاهية وعواطفهم في حوار حي وطرائف لاذعة عميقة وكان يحاكي شعراء من الاغريق وبخاصة ميتاندر ومن اشهر ملاهي بلوتوس التي كان لها تاثير في الاداب الاوروبية بعده – ملهاة ( اولولاريا ) او ( وعاء الذهب ) وقد حاكاها مولبير في ملهاته الشهيرة البخيل وكذا ملهاة امفيتربون وقد اثرت في الملاهي الاخرى التي تحمل نفس الاسم والتي قد الفها ( موليبر ) و ( دريدن ) ثم ( جيرودو )

وفي العصور الوسطى نشات المسرحيات كذلك نشاة دينية كما نشات عند الاغريق على نحو ما قلنا فيما سبق فكانت موضوعاتها ماخوذة من الانجيل تحكي ميلاد عيسى عليه السلام او صلبه او حكايات القديسين او خروج آدم عليه السلام من الجنة او قتل قابيل وهابيل 00 وعلى الرغم من ذلك تاثرت في كثير من نواحيها الفنية وفي صياغتها بالمسرحيات اللاتينية لان اللغة اللاتينية كانت هي لغة الكنيسة كما تاثرت بعض التاثر بالمسرحيات اليونانية من خلال مسرحيات اللاتينيين 0

وفي عصر النهضة رجع الاوروبيون عامة الى مسرحيات اليونانيين واللاتينيين في الموضوعات والافكار والنواحي الفنية جميعا على نحو ما شرحنا في نظرية المحاكاة في عصر النهضة وعن حركة النقد العامة في عصر النهضة نشات القواعد الكلاسيكية مجملة في مؤلفات الايطاليين الذي شرحوا كتاب ( فن الشعر ) لارسطو اولا وقد افاد منها الفرنسيون وبنوا عليها قواعد المذهب الكلاسيكي واخرجوا انتاجهم الادبي مبنيا على هذه القواعد فكانوا اسبق من الاوروبيين جميعا في خلق المذهب الكلاسيكي والمسرحيات الكلاسيكية الخاضعة لقواعد ذلك المذهب وقد حاكى الكلاسيكيون الاوروبيون جميعا مسرحيات الادب اليوناني والروماني ولكن من خلال نقد ارسطو مع تاويله بما يتفق وقواعد العقلية الكلاسيكية ومع اضفاء الطابع الارستقراطي المحافظ على المسرحيات بما يتفق وروح عصرهم وقد اثرت الكلاسيكية الفرنسية بأدبها وقواعدها في اداب اوروبا فترة طويلة من الزمن وفي الكلاسيكية الفرنسية بادبها وقواعدها في اداب معروفة في الادب اليوناني والروماني وعصر النهضة وذلك بفضل نقد ارسطو وتعليق شراحه من الايطاليين اولا ثم من الفرنسيين 0

وقامت الرومانتيكية على انقاض الكلاسيكية في اواخر القرن الثامن عشر والنصف الاول من القرن التاسع عشر وقد خالفت الكلاسيكية في كثير من القواعد الفنية الخاصة بالمسرحية فلم تتقيد بضرورة توافر خمسة فصول لكل مسرحية وقضت على وحدة الزمن والمكان من بين الوحدات الثلاث التي راعاها الكلاسيكيين متاثرين بارسطو على طريق التاويل 0

وحرص الرومانتيكيون كذلك على عرض الاحداث على المسرح بدلا من حكاية الكثير منها كما كان عند الكلاسيكيون ولم يراعوا الفصل بين الاجناس المسرحية كما كان عند الكلاسيكيون بل خلطوا الماساة بالملهاة ليؤلفوا ( الدراما ) الرومانتيكية والى جانب هذه النواحي الفنية العامة تغير موضوع المسرحيات ومضمونها فصارت شخصياتها شعبية وقضاياها اجتماعية او نفسية انسانية عامة بعد ان كانت الماساة مقصورة على الابطال الالهيين في المسرح اليوناني وعلى النبلاء والارستقراطيين في الكلاسيكية وصارت هذه الاعتبارات الفنية والاجتماعية عامة في الاداب الاوروبية منذ الرومانتيكيين 0

وبعد الرومانتيكية تغير طابع المسرحيات الفني والاجتماعي تبعا للمذاهب التي تلت الرومانتيكية من واقعية ورمزية ووجودية وواقعية اشتراكية 0

وقد راينا فيما سبقنا من اجمال كيف بدات المسرحية غيبية في طابعها عجائبها دينية وبطولتها الهية على نحو قريب من الملحمة في موضوعاتها الاسطورية وفي عجائب البطولة فيها ثم خلصت قليلا قليلا من هذا الطابع ولكنها ظلت ارستقراطية النزعة في الماساة حتى اواخر العهد الكلاسيكي ثم صارت موضوعاتها وقضاياها شعبية على يد الرومانتيكين ثم نزلت الى ادنى طبقات الشعب وصورت الشر للتنفير منه على يد الواقعيين 0

ويلتحق بالمسرحيات في اجناسها المشار اليها سابقا جنس ثانوي اخر هو المسرح الغنائي وهو مسرحية ملهاة او ماساة تؤلف للغناء وتمتاز بانها لا تزال ذات طابع ميتافيزيقي او ملحمي

الخرافة

هي حكاية ذات طابع خلقي وتعليمي في قالبها الادبي الخاص بها وهي تنحو منحى الرمز في معناه اللغوي العام لا في معناه المذهبي فالرمز فيها معناه ان يعرض الكاتب او الشاعر شخصيات وحوادث على حين يريد شخصيات وحوادث اخرى عن طريق المقابلة او المناظرة بحيث يتتبع المرء في قراءتها صور الشخصيات الظاهرة التي تشف عن صور شخصيات اخرى تتراءى خلف هذه الشخصيات الظاهرة وغالبا ما تحكى على لسان الحيوان او النبات او الجماد ولكنها قد تحكى كذلك على السنة شخصيات انسانية تتخذ رموزا لشخصيات اخرى 0

وحكايات الحيوان تنشا فطرية في ادب الشعب قبل ان ترتقي من الحالة الشعبية الفولكلورية الى المكانة الادبية الفنية وادنى صورها في هذه الحالة ان تفسر ظواهر طبيعية تفسيرا ميتافيزيقيا اسطوريا على حسب عقائد الشعب او تبين اصل ما سار بين العامة من امثال وحينئذ ترى هذه الخرافات والاساطير الشعبية مجرى الحقائق والا يكون لها معنى رمزي في صورته التي تحدثنا عنها واذن لا تندرج مثل هذه الاساطير والخرافات في الجنس الادبي الذي نحن بصدد الحديث عنه مهما اجيدت صياغتها الادبية ولكنها في الاصل البدائي لنشاته 0

اما حين ترتقي هذه الاساطير والحكايات ويتوافر لها ما ذكرناه قبل من معنى رمزي فانها تؤلف الجنس الفني المقصود هنا 0

فأي الشعوب كان الاسبق في اختراع حكايات هذا الجنس الادبي بحيث انتقلت منه الى غيره من الشعوب ؟ خلاف كبير بين الباحثين 0

1- فيرى بعضهم انها يونانية الاصل في صورتها الفنية كما عرفت في حكايات ايسوبوس في القرن السادس قبل الميلاد بل قد عرفت هذه الخرافات في الادب اليوناني قبل ذلك عند الشاعر هيزيودس حوالي القرن الثامن قبل الميلاد ثم عند ستيسيكورس في القرن السادس قبل الميلاد واذن يحتمل ان تكون الخرافات مشتركة بين الهنود واليونانيين قد سرت من الاخرين للاولين وبخاصة بعد فتوح الاسكندر الاكبر في الشرق وبتاثير الحكومات التي اقامها على اثر فتوحاته الواسعة 0

2- على حين يرى اخرون من الباحثين ان الهند اسبق الى هذه الحكايات من اليونان ففي كتاب جاتاكا وهو الذي يحكي تاريخ تناسخ بوذا في انواع من الموجودات قبل وجود الاخير مؤسسا للديانة البوذية حكايات كثيرة عن انواع وجود بوذا في صور الحيوانات والطيور وترجع بعض حكايات ذلك الكتاب الى قرون طويلة قبل ميلاد المسيح وقد تبلغ سبعة او اكثر 0

3- على ان بعض الحكايات المصرية القديمة على لسان الحيوان يرجع تاريخها الى القرن الثاني عشر قبل الميلاد مثل قصة السبع والفار التي وجدت على ورقة بردي ولا يبعد اذن ان تكون هذه الحكايات المصرية هي التي اثرت الجنس في الادبين الهندي واليوناني معا 0

ولا سبيل الى القطع براي في هذه المسالة فهذه الحكايات كما قلنا تنشا شعبية او اسطورية ثم تاخذ في الارتقاء الى المكانة الادبية فتتبادل الصلات مع الاداب الاخرى وليست لدينا ادلة تاريخية توضح لنا كيف تبودلت هذه الصلات ولا يبعد ان تكون مصر والهند واليونان كلها قد اعطت واخذت فيما يخص هذا الجنس الادبي في وقت معا طوال العصور 0
يهمنا في دراستنا المقارنة ان نتتبع اجمالا نمو هذا الجنس الادبي وخصائصه العامة في الاداب الشرقية والغربية وكيف اخذنا من ذلك كله في ادبنا القديم والحديث ففيما يخص الاداب الشرقية كان الطابع الادبي غالبا على حكايات واقدم الاداب الشرقية التي عرفنا الكثير عن حكاياتها هو الادب الهندي وفي كتاب جاتاكا انواع تشابه تربط ما بينه وبين الكتاب الهندي الاخر تانتراخياييكا وهو اصل للكتاب الهندي الثالث بنج تانترا او القصص الخمسة وترجع نصوص الكتابين الاخرين الى ما بين القرنين الثاني والخامس الميلاديين وقد وصل الينا كذلك كتاب هندي متاخر عنها وهو

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:09 pm

هيتوباديسيا يرجع تدوينه الى القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين وهو اهم كتاب هندي قلد فيه كتاب بنج تانترا في حكاياته وطريقته 0

وحكايات الحيوان في الكتب الهندية السابقة كلها ذات طابع انفردت به فمن خصائصها الفنية :

1- طريق التقديم للحكايات بالتساؤل والاستفهام عن اصل المثل الذي وردت فيه الحكاية بعبارة وكيف كان ذلك ويتصدر الاجابة عن الاستفهام عبارة زعموا انه كان 0

2- ومنها كذلك تداخل الحكايات فكل حكاية رئيسية تحوي حكايات فرعية وكل واحد من الحكايات الفرعية قد تحتوي على حكاية او اكثر متداخلة فيها كذلك ويتبع ذلك دخول شخصيات جديدة او حيوانات جديدة في الحكاية دون انقطاع ولادنى مناسبة 0

3- ان الكاتب فيها يتناسى الرموز أي الشخصيات او الحيوانات التي جعلها القاص رموزا للناس في سلوكهم فيسهب في الحديث عن الرموز اليهم من الناس غافلا عن شخصياته الرمزية 0

وقد كان الادب الايراني القديم صلة بين الادب الهندي والادب العربي فيها يخص هذا الجنس الادبي ففي عهد ( خسرو انوشروان ) القرن السادس الميلادي قد حصل طبيبه الخاص برزويه على نسخة من كتاب بنج تانترا الهندي ونقله الى اللغة البهلوية واضاف اليها قصصا اخرى لم نقف بعد على مصادرها كلها والحيوانان الرئيسيان في ذلك الكتاب من فصيلة ابن آوى ( كاراتاكا ) و ( داماناكا ) ومنهما استخرج اسم الكتاب الفارسي ( كليلة و دمنة ) الذي ترجمه عبد الله ابن المقفع من اللغة البهلوية الى اللغة العربية حوالي القرن الثامن الميلادي 0

وفي الادب العربي القديم كانت ترجمة عبدالله ابن المقفع هذه سببا في خلق هذا الجنس الادبي الجديد في اللغة العربية ذلك ان حكايات الحيوان في الادب العربي القديم قبل كليلة ودمنة كانت :

1- اما شعبية فطرية تشرح ما سار بين العامة من امثال 0

2- واما مقتبسة من كتب العهد القديم 0 أي ذات طابع يتصل بالعقائد 0

واما ما عدا هذين فمتاخر عن كليلة و دمنة ومتاثر به و في كتاب كليلة ودمنة تتمثل الخصائص الهندية السابقة الذكر 0

وكان كتاب كليلة و دمنة ذا اثر قوي في الادب العربي القديم في العصر العباسي ذلك ان جعفر بن خالد البرمكي كلف عبدالله بن الاهواني ان يترجمه له مرة ثانية ثم صاغه نظما في نحو اربعة عشر الف بيت ابان بن عبدالمجيد بن لاحق للبرامكة ايضا وحاكاه في ذلك شعراء اخرون منهم علي بن داؤود وبشر بن المعتمر وابو المكارم اسعد بن خاطر ولم يصلنا من هذه الاثار الادبية الا نحو سبعين بيتا من نظم ابان بن عبد المجيد نقلها الصومالي في كتابه ( الاوراق )

ولم يقف حظ هذا الكتاب عند الترجمة نظما او نثرا فقد نسج اخرون على منواله فألف سهل بن هارون كتابا سماه ( ثعلة وعفراء ) وهو محاكاة لكتاب كليلة ودمنة وقد حاكى علي بن داؤود بوره سهل بن هارون في كتاب له سماه ( كتاب النمر والثعلب )ولم يصلنا شيء من هذا الكتاب ايضا 0

وممن نسجوا على منوال كليلة ودمنة اخوان الصفاء في رسائلهم وقد نقلوا هذا الجنس الادبي من المغزى الاجتماعي الى الميدان الفلسفي فألفوا محاكمة طويلة بين الانسان والحيوان امام ملك الجان واطالوا في مرافعه الخصمين بين الانسان والحيوان ليبثوا في تلك المرافعة افكارهم الفلسفية 0

ثم توالى نظم الكتاب بعد ذلك في عصور مختلفة ومن ذلك كتاب ( نتائج الفطنة في نظم كليلة و دمنة ) للشريف ابن عبد ربه 0 وكان وزيرا للسلطان الب ارسلان ولنفس المؤلف كتاب ثان حاكى فيه كليلة ودمنة وسماه ( كتاب الصادح والباغم ) وقد تاثر في الباب الاول منه : باب الناسك واللص الفاتك 0 بكتاب كليلة ودمنة ثم في الباب الثاني منه : باب البيان ومفاخر الحيوان برسائل اخوان الصفا فيما ذكروه من محاكمة الانسان والحيوان واما الباب الثالث : باب المحاورة بين الحمامة و الظبية فهو ابيات من الحكم اتى بها تعقيبا على حكايات من كليلة ودمنة وينسب الى نفس المؤلف كتاب اخر يسمى ( دور الحكم من امثال الهنود والعجم ) وينسب الكتاب الى الاخير ايضا لعبدالمؤمن بن الحسن الصاغاني من رجال القرن السابع الهجري ومنه نسخ خطية في مكتبة فيينا و ميونيخ وكان اخر من نظموا الكتاب جلال الدين النقاش من رجال القرن التاسع الهجري وتوجد نسخة من كتابه في المتحف البريطاني واخرى في بيروت 0

وقد تاثر بكليلة ودمنة محمد بن احمد بن ظفر في كتابه النثري : سلوان المطاع في عدوان الاتباع 0 وحكايات الحيوان فيه قليلة ذات صبغة دينية ولكن تاثير كليلة ودمنة فيها واضح كل الوضوح 0

ثم جاء ابن عربشاه ( احمد بن محمد بن عبدالله ) الف كتاب فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء على لسان الحيوان وهو في الحقيقة ترجمة ادبية حرة لكتاب مرزبان نامة الذي دون في الاصل باللهجة الطبرستانية في القرن الرابع الهجري – القرن العاشر الميلادي – والذي ترجم بعد الى الفارسية الحديثة ترجمه اليها سعد الدين وزاويني في اوائل القرن السابع الهجري – الثالث عشر الميلادي – وقد سار في تلك الترجمة على نهج ابي المعالي نصر الله الذي ترجم الى الفارسية ايضا كليلة ودمنة العربية لابن المقفع فكانت ترجمته نثرا فنيا يقرب من الشعر المنثور 0

وعن مرزبان نامة ترجم ابن عربشاه كتابه السابق الذكر في اسلوب ادبي يقرب من اسلوب وراويني في الفارسية و ابن ربشاه له كتاب اخر مترجم ايضا يسمى مرزبان نامة بسيط في اسلوبه ولعله اقرب الى الكتاب في لهجته الطبرستانية الاصيلة التي لم يعد لها وجود اليوم 0

وكتاب ابن عربشاه اخر كتاب في هذا الجنس الادبي في اللغة العربية قبل العصر الحديث 0

وقد اثرت العربية بدورها في الفارسية الحديثة تاثرا عميقا في هذا الميدان اذ كان قد فقد الاصل البهلوي الذي ترجم عنه ابن المقفع فاصبح كتاب كليلة ودمنة العربي على حسب ترجمت ابن المقفع له اصلا لكل ترجمة في اللغات لهذا الكتاب ومن هذه الترجمات الفارسية ترجمة ابن المعاني نصر الله حوالي عام 1144 م وقد سبق الكلام عن طريقته في ترجمته ثم ترجمه مرة ثانية الى الفارسية في اواخر القرن الخامس عشر الميلادي حسين واعظ كاشفي وسمى ترجمته ( انوار سهيلي ) وبهذه الترجمة الاخيرة تاثر لافونتين الفرنسي فيما يخص هذا الجنس الادبي 0

وقبل ان نتحدث عن التاثير العربي في حكايات لافونتين نجمل القول في نشاة هذا الجنس الادبي وتطوره في الاداب الغربية 0

قد نشأ جنس الحكاية على لسان الحيوان في الاداب الغربية نثرا ثم سرعان ما صار شعرا وغلب طابع الشعر عليه وقد سبق ان ذكرنا انه كان معروفا قبل ايسوبس عند اليونان ولكنه هو الذي اشتهر به في الادب اليوناني وقد الف حكاياته نثرا وكان هذا الجنس ذا قيمة كبيرة اليونان في زمن ارسطو وكثيرا ما كان يستشهد به الخيب في المرافعات القضائية وبعد ايسوبس اتى بابريوس – القرن الاول الميلادي – فنظم شعرا مائة وثلاثا وعشرين حكاية من حكايات ايسوبس 0

وقد اثر الادب اليوناني في الادب اللاتيني فيما يخص هذا الجنس الادبي فعلى الرغم من اصالة الشاعر اللاتيني هوارس في رسائله وهجائه وبخاصة في الهجاء الذي اعتبره كانتيليان جنسا ادبيا استقل بخلقه الرومان نجد انه يدخل فيما كتب حكايات على لسان الحيوان يسير فيها على منهج اليونان ولكن تظهر اصالته في اضفاء طابع السخرية اللاذعة في حكاياته على لسان الحيوانات التي يتخذها رمزا للناس وحكاياته هذه شعر لا نثر وبعده اتى الشاعر اللاتيني الاخر ( فيدروس ) فنظم مائة واحدى وعشرين حكاية يحاكي فيها ايسوبس ولكنه يعبر فيها مع ذلك عن مظالم الحياة السياسية والاجتماعية في عصر الامبراطور تبيريوس وفي عصر كاليجولا وقد ضاق بهذه المظالم واتخذ من هذا الجنس الادبي طريقا للتخفيف عن الامه في شعوره بها واثرت هذه الحكايات اليونانية واللاتينية في ادب العصور الوسطى الاوروبية وطالما ترجمت او حوكيت من الشعراء والكتاب بما لا يهمنا هنا الاطالة فيه 0

وانتهى ذلك الميراث في هذا الجنس الادبي الى لافونتين الفرنسي فتاثر به وحاكاه واخذ كثيرا من موضوعاته عن سابقيه وبخاصة من اليونانيين واللاتينيين ولكنه بلغ بهذا الجنس الادبي اقصى ما قدر له من كمال فني فقد راعى الاسس الفنية العامة التي لحظها النابغون في ذلك الجنس الادبي من سابقيه ثم استكمل هذه القواعد الفنية ويرع فيها حتى صار مثالا لمن حاكوه في الاداب جميعا ونجمل القول الان في هذه القواعد الفنية :

من القواعد الفنية في هذا الجنس الادبي :

1- الحرص على التشابه بين الاشخاص الخيالية و الاشخاص الحقيقية في سياق الحكاية 0

2- فيختار الكاتب صفات اشخاصه الاولى بحيث تثير في ذهن القارئ الشخصيات الثانية فلا ينبغي ان يسترسل في وصف الشخصيات الرمزية من الحيوانات وغيرها حتى ينسئ القارئ صفات الشخصيات المرموز اليهم الناس 0

3- ولا ان ينسي الرموز فيتحدث عن الشخصيات المرموز اليهم حتى يغفل القارئ عن هذه الرموز هي وسائل الاثارة الفنية بل يجب ان يختار خصائص الشخصيات الرمزية بحيث تكون كالقناع الشفاف تتراءى من ورائه الشخصيات المقصودة 0

ونلحظ في حكايات كليلة ودمنة انه غالبا ما ينسى المؤلف فيها الرموز فيطيل الحديث عن المرموز اليهم بحيث تنطمس ادوار الرموز في الحكاية 0

والى هذه القاعدة الفنية العامة اضاف لافونتين في نقده ونظمه قواعد اخرى دقيقة 0

فيرى لافونتين ( ان الحكاية الخلقية على لسان الحيوان ذاتي جزأين يمكن ان تسمية احدهما جسما والاخر روحا فالجسم هو الحكاية والروح هو المعنى الخلقي ) لا ولكي يشف الجسم عن الروح لا بد من اجادة تصويره تصويرا يثير كل ما للروح من خصائص ولذا حرص لافونتين على توافر المتعه الفنية في حكايته بحيث يصور في شعره الافكار العامة من وراء الحقائق الحسية ويجمع هذه الحقائق الدقيقة التي تتوارد لتوضيح الفكرة العامة حتى يستطيع العقل ان يحس افكاره ويفكر احاسيسه 0 وبذلك تبرز الافكار العامة من وراء التصوير الفني واضحة من تلقاء ذاتها 0

وقد حرص لافونتين على تصوير الشخصيات حية قوية في ادق صفاتها المثيرة للفكرة وعلى تطوير هذه الشخصيات على حسب الحدث في شكل درامي يهيئ لافونتين مجال الحدث فيه بالوصف المتصل اوثق اتصال بالحدث بحيث يمكن ان يقال انه راعي في حكاياته قواعد للتصوير الفني هي صورة تقريبية لقواعد المسرحية كما سبق ان نبه له ارسطو بل انه راعى الواقع في رسم الصور الخلقية ليزيد شخصياته حيوية وقوة ولم يلجأ الى تصوير الخلق المثالي الذي قد يعز وجوده ومثال ذلك حكاية الذئب والحمل مثلا لتصوير بطش القوي بالضعيف على ان المعنى الخلقي يبرز من وراء ذلك قويا بالغ القوة ووجز القول ان الاطار العام الذي تصور فيه مجالات الاحداث او نفسيات الاشخاص يسير بالحدث في تطور محكم بحيث تؤدي كل كلمة وكل جملة وظيفتها الفنية فيه 0

وقد سبق ان ذكرنا ان لافونتين تاثر بمن سبقوه ممن الفوا في هذا الجنس الادبي من اليونانيين واللاتينيين 0

وقد تاثر كذلك بالادب العربي في كليلة ودمنة على حسب ترجمتها الفارسية وذلك ان لافونتين كان يتردد على نادي مدام دي لاسابلير وكان من اعضاء ذلك النادي الطبيب الرحالة برنييه وهو الذي لفت نظر الشاعر الى كتاب ترجم من الفارسية الى الفرنسية عام 1644 م وعنوانه بالفرنسية ( كتاب الانوار او اخلاق الملوك تاليف الحكيم الهندي بلباي بيدبا ترجمه الى الفرنسية داؤود سهيد الاصبهاني ) ولكن المترجم الحقيقي لهذا الكتاب هو جيلبير جولمان مستشار الدولة الذي كان على علم باللغات الشرقية وقد استعان بالفارسي الذي ذكره على انه المترجم وذلك الكتاب الفرنسي ليس سوى ترجمة حرة لكتاب حسين واعظ كاشفي الفارسي والكتاب الاخير ترجمة حرة في نثر فني لكتاب عبدالله بن المقفع كليلة ودمنة 0

وعن هذا الكتاب اقتبس لافونتين نحو عشرين حكاية ادخلها في الجزء الثاني من حكاياته التي نظمها على لسان الحيوان , يقول لافونتين في مقدمة الجزء الثاني من حكايته ( ليس من الضروري فيما ارى ان اذكر المصادر التي اخذت عنها هذه الحكايات الاخيرة غير اني اقول اعترافا بالجميل اني مدين في اكثرها للحكيم الهندي بلباي الذي ترجم كتابه الى كل اللغات ) وبلباي هذا هو بيدبا الفيلسوف الذي قيلت حكايات كليلة ودمنة على لسانه على ان لافونتين لم ياخذ من الكتاب السابق سوى مادة موضوعاته ثم تصرف فيها على حسب مقتضيات فنه 0

وفي اواخر القرن التاسع عشر ترجم محمد عثمان جلال كثيرا من حكايات لافونتين في كتاب سماه ( العيون اليواقظ في الحكم والامثال والمواعظ ) في شعر عربي مزدوج القافية ولكن ترجمته حرة لا تتقيد بالاصل بمصر فيها اماكن الحكاية او يجعلها تجري في بلد عربي ويضفي على نصائحها طابعا دينية يقتبسه من القران او الحديث وفيها قليل من الحكايات العامية في صور زجل وبعده الف ابراهيم العرب كتاب خرافات على لسان الحيوان اسماه ( اداب العرب ) وهو شعر ايضا سار فيه على طريقة لافونتين 0

ومن هنا يتضح ان هذا الجنس الادبي قد انتهى الى ادبنا الحديث في صورته الغربية فاذا كنا قد اقتبسنا فيه بعض موضوعات من الدبنا العربي القديم او من كليلة ودمنة فان اسسه الفنية ظلت محاكاة لحكايات لافونتين 0

واعظم من برع في هذه الحكايات في ادبنا الحديث وجارى في فنه لافونتين هو احمد شوقي الذي بلغ بهذا الجنس في ادبنا الحديث اقصى ما قدر له من كمال حتى اليوم وقد تطلع شوقي الى تزويد الادب العربي بهذا الجنس الادبي على طريقة لافونتين الفنية حين كان يكمل دراسته في اوروبا وقد والى الجهد في هذا الميدان حتى كان خير من حاكى لافونتين في العربية في جميع خصائصه الفنية وامام من يريدون المقارنة بينهما في هذا المجال موضوع خاصة للدراسة ويمكن تطبيق ذلك بالمقارنة بين فن لافونتين – على حسب ما اوجزنا فيه القول من قبل – وفن شوقي في هذه الحكاية على لسان الدجاج لشوقي يقصد فيها الى تنبيه الوعي القومي لدى المواطنين الى خطر الغفلة والغرة في علاقتهم بالاجنبي الدخيل وكانت تلك قضية عصره 0

النثرية

القصة

تأخر ظهور النثر القصصي في الاداب العالمية عن الملحمة والمسرحية فالصة اخر الاجناس الادبية وجودا في تلك الاداب وكانت اقلها خضوعا للواعد واكثرها تحررا من قيود النقد الادبي وكانت تلك الحرية سببا في نموها السريع في العصور الحديثة فسبقت الاجناس الادبية الاخرى في اداء رسالة الادب الانسانية واصبحت في الاداب الكبرى تفوق المسرحية وحلت مكانة اجتماعية وفنية لا يفضلها فيها جنس ادبي اخر 0

وقد وجدت في الملاحم اليونانية عناصر قصصية هي التي مهدت لظهور النثر القصصي فيما بعد وقد تم اول ظهور ذلك النثر القصصي في الادب اليوناني في القرن الثاني بعد الميلاد وكانت القصة انذاك ذات طابع ملحمي فكانت حافلة بالمغامرات الغيبية وبالسحر والامور الخارقة ويتمثل النموذج العام لاحداث قصص ذلك العهد في افتراق حبيبين تقوم الاخطار المروعة والعقبات المؤنسة حدا فاصلا بينهما ويفلتان منها بطرق تفوق المألوف ثم تختم القصة ختاما سعيدا بالتقاء الحبيبين 0

واما في الادب اللاتيني فقد ظهرت القصة فيه في اواخر القرن الاول بعد الميلادي على نحو مخالف للقصة اليونانية في بادئ الامر كما في قصة ( ساتر يكون ) التي الفها بترونيوس وهي هجائية تصور مغامرات شائنة لصعلوكين وخادمهما وتكشف عن حال الطبقات الفقيرة في عهد نيرون وتصف العادات والتقاليد في سخرية مرة كما تحكي كثيرا من حيل السحرة واللصوص 0

ثم تأثرت القصة اللاتينية بالقصة اليونانية واشهر قصة يمثل بها لذلك التاثر هي قصة المسخ او الحمار الذهبي الفها ابوليوس في النصف الثاني للقرن الثاني بعد الميلاد ولها اصل يوناني مجهول للمؤلف 0

وفي هذا كله كانت القصة قريبة من اصلها الملحمي فالقاص ينهج منهج الشاعر في نزعته الى الواقع والقاص والشاعر كلاهما كان يتخيل ويصف ما يتخيل ايسر مما يصف الواقع ويواجهه وكانت الجماهير في العصور الانسانية الاولى تهتم بالاحداث العجيبة وبالاخطار الخيالية على حين لا تعبا بالواقع ولا تحفل به وبذلك سبقت القصة الخيالية الى الوجود القصة الواقعية كما سبق الشعر النثر الفني اذ كان كل منهما يمتاح من مورود واحد 0

وفي العصور الوسطى الاوروبية وجدت قصص ذات طابع شعبي هي الفابليو على ان هذه القصص لا تندرج في القصة في معناها الفني ولم تساعد على تطور مفهوم القصة بعامة وانما نشير اليها في دراستنا المقارنة لانها مجال من مجالات نفوذ الادب العربي والشرقي الى الاداب العربية في العصور الوسطى 0

واهم ما نعنى بذكره هنا من قصص العصور الوسطى هو قصص الفروسية والحب وفيها بدا تاثير عربي ذو قيمة ادبية كبيرة ظل طوال العصور الوسطى وشطرا من عصر النهضة وتفصل فيه القول بعض التفصيل 0

وذلك على الرغم من طابع الحب العف في قصص اليونان لم تكن المراة فيه ذات مكانة تخول لها سلطانا على المحب كما في قصص الفروسية وقد اشاد افلاطون بيمة الحب واثره في قيداة النفوس الى الحقائق الكبرى عن طريق العاطفة ولكن ظلت نظرياته محصورة في دائرة الفلسفة على ان الحب عنده له معنى اوسع واشمل لا يقتصر على حب المراة وحدها ولذلك لم يكن لفلسفته صدى مباشر في القصص حتى عرفه العرب ففلسفوا بع عاطفة الحب في شعرهم وقصصهم الصوفية على ان عاطفة الحب لديهم كانت منذ نشاتها وليدة خلق الفروسية العربية ثم تاثرت تاثرا عميقا بالدين الاسلامي قبل فلسفتها بتاثير افلاطون 0

في الادب الروماني الف افيدوس كتابا اسماه فن الحب يعلم فيه الرجال كيف يحظون بحب النساء ويعلم فيه النساء كيف يستدمن مودة الرجال على طريقة لم يلتزم فيها حدود الخلق ولم يراع فيها اية مكانة للمراة والمؤلف في هذا الكتاب مستهتر ماجن يدمغ عصره بالفسق والفجور ومن هذه الناحية اكتسب الكتاب صورة هجاء اجتماعي وقد اراد اوفيدوس ان يستدرك ما صنع فالف كتابا اخر عنوانه علاج الحب في لهجة ساخرة ايضا يصرح فيه انه الف كتابه الاول يقصد فيه غير السراة الشرفاء من القوم ويسدي نصائح لمن يبتلون فيرون نقائض النساء فضائل فيشير عليهم ان يفتكروا في النقائض الجسيمة الطبيعية في المراءة وهي نقائض من شانها ان تقضي على وله المحبين البله ويظهر من كتابيه السابقين ان الحب مجون ودعابة ولا جد فيه 0

وفي العصور الوسطى الاوروبية ظلت المراة في المجتمع وفي الادب لا يؤيه بها حتى القرن التاسع عشر وحينئذ اخذ يظهر خلق الفروسية الذي يزواج بين اخطار الحرب واخطار الحب 0

ففي النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي الف من يدعي اندريه لوشابلان كتابا باللاتينية سماه فن الحب العف وفيه يذكر ادراكا جديدا للحب لم يكن للادب الاوروبي به عهد حتى ذلك القرن وفيه ترتفع المراة الى مكانة لم تحظ من قبل في اوروبا ويخضع الفارس لها كما يخضع التابع للسيد صاحب الاقطاع في تلك العصور فالفارس يضحي في سبيل حبها ويبكي في يسر حين يهدده الخطر في حبه ويعد ضعفه امامها نبلا وسموا لا استكانة فيه ولا ضرر بسببه والحب الطاهر بل هو على راس الفضائل فهو الذي يهدي المحب الكرم ويبعث على التمسك بالخلق الكريم ولا يصبح للمرء ان يحب اكثر من امراة ولا ان يحب امراة غير كريمة الخلق فالطهر والحياء والصدق والوفاء والتضحية هي دعائم الحب النبيل حب يكتنفه الحرمان ويطيب للمحب فيه العذاب ويشق عليه الظفر بما يؤمل من غاية 0

( فمن اتى ذلك الادراك الجديد للحب الذي يظل دائما محروما ؟ اذ ان هذا الغناء الشاكي للمحبوبة الفاتنة المتأبية المتعالية ابدا نظرة جديدة للمراة لا نظير لها في الاداب الاوروبية القديمة )

قد يكون لروح الفروسية في الحروب انذاك وبخاصة الحروب الصليبية بعض الاثر في النظر الى المراة نظرة تبجيل اذ ان من طبيعة الفارس ان ينبل في عاطفته ويصدق وقد يكون لانتشار الثقافة بين صفوة النساء ومخالطتهن قصور الملوك اثر كذلك في الاشادة بمكانة المحبوبة ولكن ذلك كله غير كاف في شرح هذه الظاهرة الجديدة لدى المنصفين من الباحثين 0

غير انه من الثابت ان هذا النوع الجديد من الحب قد سبق رقي المراة اجتماعيا في ذلك العصر وجاوز العادات والتقاليد السائدة العامة التي لم تكن قد وصلت فيها المراة الى تلك المكانة التي يشاد بها في الشعر والقصة 0

ومن المقطوع ب هان هذا الادراك الجديد في الحب في القصة والشعر معا قد نشا على اثر اتصال الغرب بالشرق اما في الحروب الصليبية واما عن طريق العرب في الاندلس 0

و ( ماري دي فرانس ) امير اقليم ( شامبانيا ) وهي التي الف اندريه السابق الذكر لها كتابه في الحب في اواخر القرن الثاني عشر هي بنت الملكة اليونور حفيدة جيوم التاسع الذي كان امير بواتييه و دوق اكتيانيا وهو اول شعراء التروبادور وقد اشترك في الحروب الصليبية وكان على دراية بالثقافة العربية في الاندلس والشرق وقد ظهر في شعره الغنائي هذا الادراك الجديد العاطفي اول ما ظهر 0

واميرة اقليم شامبانيا السابقة هي نفسها التي كانت تشمل برعايتها الشاعر القصصي الفرنسي كريتيان دي تروا الذي الف لها قصصا فيها يتجلى الحب على حسب قواعده المذكورة في كتاب فن الحب العف 0

وحقا من يقابل بين قواعد الحب في ذلك الكتاب وبين ادراك العرب لحب الفروسية العف كما كان في الغزل العذري وبخاصة على حسب الكتب العربية القديمة التي درست هذه الحياة العاطفية عند العرب يجدا تشابها كبيرا بين هذين النوعين من الحب لدى العرب و الاوروبيين في تلك الفترة ومن اشهر هذه الكتب العربية الزهرة لابي بكر محمد بن داؤود الاصفهاني الظاهري وقد حاكاه ابن حزم الاندلسي ابو محمد علي بن احمد بن سعيد في كتابه طوق الحمامة والكتاب الاخير متقدم على كتاب شابلان المذكور قبل باكثر من قرن 0

والقرائن التاريخية السابقة تحمل على الاعتقاد ان هذا الادراك للحب على نحو فريد في الاداب الاوروبية انما ظهر في تلك الفترة بتاثير حب الفروسية العربي بعد ان اشرب اهله روح الاسلام فعبروا في شعورهم العربي عن عاطفتهم العامة الخالصة وخضعوا للمراة خضوع الفرسان المؤمنين ثم جاء نقادهم فسنوا اصولا لهذا الحب في كتبهم ومن اشهرها الكاتبان اللذان ذكرناهما على ان هذين الكاتبين غذت العواطف العربية الاسلامية الاصيلة ولكنها لم تخلقها 0
ومن القواعد التي يذكرها شابلان في كتابه السابق ان المحب لا يهيم بسوى محبوبة واحدة وان الحب يظهر عليه بهيئة الخشوع امام حبيبته ويضطرب قلبه بمحضرها ولا يقصر في أي مطلب تريده منه حبيبته ولو تحمل في ذلك المشاق وخيالها دائما نصب عينيه ان غابت عنه وعليه ان يكتم حبه لان اذاعه الحب سبب من اسباب القضاء عليه ثم عليه ان

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:09 pm

يكون كريما غير بخيل اذ الكرم صفة جوهرية لعاطفة الحب الصادق على ان خضوع المحب وتجشمه المشاق لا عيب ولا استكانه فيه وهذه كلها يفيض بها الشعر العربي ثم ينص عليها كل من تعرضوا لدراسة هذه العاطفة من القدماء ومنهم محمد بن داؤود وابن حزم في كتابيهما السابقين 0

وقد كانت العقبة التي تقف في سبيل اعتراف الباحثين بهذا التاثير هو عقيدتهم الخاطئة في ان العاطفة العربية لم تحترم المراة ولم تكن لها فيها مكانة كريمة وقد رد عليهم كثير من المستشرقين المدققين ووافقهم اخرون من الباحثين المنصفين 0

وقد اثرت قواعد العقلية الكلاسيكية في العناية بالتحليل النفسي في القصة على نحو ما سارت عليه الكلاسيكية في المسرحيات ولكن التحليل النفسي يكن عاما في القصص الكلاسيكية اذ كانت القصة جنبا ادبيا حرا لا يخضع للقواعد الرسمية ولم يكن لدعوات النقاد في العصر الكلاسيكي ولا لنماذج القصة الناضجة في التحليل النفسي صدى كبير في الانتاج القصصي بوجه عام لدى الكلاسيكيين 0

وفي اواخر القرن الثامن عشر نهضت القصة في الاداب الكبرى الاوروبية فتطورت قصص العادات والتقاليد السابقة الذكر فنتج عنها ما يسمى : القصص ذات القضايا الاجتماعية وبذلك سبقت القصة المسرحيات في مجال الثورة الاجتماعية فأصبح وصف التقاليد وسيلة لاجلاء الحقائق والكشف عن النواحي النفسية في الفرد ثم النواحي الاجتماعية في مختلف الفئات بغية انصافهم في المجتمع وصارت القصص بذلك ذات صبغة ديموقراطية في علاج مشكلات الشعب وقامت بأخطر دور للادب في الحضارة الحديثة 0

وفي العصر الرومانتيكي ساعدت الفلسفة العاطفية على الدعوة الى حقوق الفرد في المجتمع على لسان شخصيات القصة في الادب الفرنسي والانجليزي 0

وكانت هذه الدعوة هي جوهر الرومانتيكية في ناحيتها الاجتماعية وفيها وضح اتجاهان كانا يتلاقيان اخر الامر كما الكشف عن حالة الفرد في حقوقه المهضومة التي تتطلب تغير النظم القائمة في ذلك الحين ثم ما نستلزمة سعادة الفرد بعد ذلك من تعاون اجتماعي من نوع جديد وتشابهت هذه القضايا في الاداب المختلفة في العصر الرومانتيكي وكانت تدور حول اثارة الرحمة بالبائسين والاعتداد بحقوق الفرد في وجه المجتمع ثم الحد من حقوق الطبقات الارستقراطية 0

وفي ظل الرومانتيكية ايضا نشأ جنس القصة التاريخية بقواعدها الفنية الخاصة بها وكان الرومانيكيون يقصدون في هذا الجنس الى احياء ماضيهم الوطني التاريخي والكاتب الانجليزي الرومانتيكي ولتر سكوت هو اب القصة التاريخية في اوروبا ونوجز هنا القول في اهم خصائص قصصه الفنية التي اثرت بعده في جميع القصص التاريخية حتى امتد تاثيره الى من الفوا في القصة التاريخية من كتاب الادب العربي 0

لم يلجأ ولتر سكوت الى الحوادث التاريخية المعاصرة ليتخذ منها مادة لقصصه بل اختار موضوعاته من عصور سحيقة وبخاصة من العصور الوسطى ولم يجعل الشخصيات التاريخية تحتل المكانة الاولى في قصصه ذلك ان قيود التاريخ تمنعه من التصرف القصصي وتحرمه الحرية الفنية على حين يختار شخصيات غير تاريخية تمثل روح العصر الذي يكتب عنه في ادق خصائصه التاريخية وهو يتخذ من الحوادث التاريخية كل العناصر التي تكسب قصته القوة والحياة ليبعث من جديد صورة ذلك العصر فيما له من طابع زماني ومكاني مراعيا دقة الوصف في اللوحات التاريخية التي يعرضها ولذلك يختار اشخاصا غير تاريخية ولكن كلا منهم يمثل طبقة من الطبقات الاجتماعية في العصر الذي يكتب عنه وبذا تحتل الحقائق التاريخية المكان الاول في قصص ولتر سكوت فلم يعد التاريخ جزءا مملا في القصة يتعجل القاري في قراءته ليفرغ منه بل اصبح التاريخ هو الغاية المقصودة في كل اجزاء القصة على حين اصبح العنصر الخيالي في القصة غير ذي بال ومسائل الحب في قصص ولتر سكوت لا تقصد لذاتها ولكنها تتخذ سبيلا لربط حوادث القصة في اجزائها المختلفة ثم لجذب القارئ واثارة انتباهه وتختفي العواطف والمشاعر الفردية او تكاد في قصص ولتر سكوت لتحل محلها الاحساسات العامة والمشكلات الاجتماعية فما شخصيات القصص عنده سوى نماذج لتصوير المجتمع التاريخي وما به من مشكلات وبهذه الاتجاهات الفنية فتح ولتر سكوت طريقا جديدا في القصة لكل من سار على نهجه وقد عاشت القصة التاريخية وازدهرت طوال العصر الرومانتيكي وماتت او كادت في الادب الاوروبي بإنتهاء الرومانتيكية حوالي منتصف القرن التاسع عشر 0

اما في الادب العربي فلم يكن في قديمه للقصه شأن الذكر وكان لها مفهوم خاص لم ينهض بها ولم يجعلها ذات رسالة اجتماعية او انسانية 0

على ان القصة في الادب العربي القديم لم تكن من جوهر الادب كالشعر والخطابة والرسائل مثلا بل كان يتخلي عنها كبار الادباء لغيرهم من الوعاظ وكتاب السير والوصايا يوردونها شواهد قصيرة على وصاياهم وما يسوقون من حكم 0

وقد يكون لذلك صلة بنبوغ كثير من مسلمي ايران في القصص والمواعظ العربية ممن كانوا يجيدون اللغتين : العربية والفارسية 0 على ما يروي الجاحظ مثل الخطباء والقصاصين من اسرة الرقاشي ومثل موسى موسى الاسواري وكان هؤلاء يفيدون من اطلاعهم على قصص الشاهتامة 0

ونوجز القول في عيون الادب العربي قديما ما يمت بصلة للقصة نعرف بها ونتحدث عنها من وجهة نظر مقارنة وهي الف ليلة وليلة والمقامات ورسالة التوابع والنوابع ورسالة الغفران ثم قصة حي بن يقظان 0

اما الف ليلة وليلة فهي مدونة في عصور مختلفة ومن المقطوع به ان الكتاب في اصله كان معروفا لدى المسلمين قبل منتصف القرن العاشر الميلادي ويشهد المسعودي وابن النديم ان الكتاب في اصله مترجم عن الفارسية ولكن المسعودي يقرر ان الادباء في عهده تناولوا هذه الحكايات بالتنميق والتهذيب وصنفوا في معناها ما يشبهها فأصل الكتاب كان مدونا ثم نزل الادب الشعبي الفولكوري فغير منه وزيد فيه فلا ينبغي اذن انكار تاثير الاداب الاخرى في نشاته ونموه بحجة انه من الادب الشعبي الذي تمحى فيه الحدود وتتشابه الاداب دون الحاجة الى تلاق تاريخي ذلك ان هذا الكتاب لم ينشا في اصله شعبيا كما راينا 0

والعناصر الهندية في الكتاب تتمثل في تتداخل القصص وطريقة التساؤل وهما خاصتان هنديتان كما راينا من قبل في كليلة ودمنة وتتمثل العناصر الهندية كذلك في الاطار العام الذي تبدا به الف ليلة وليلة ومن خيانة زوجة الملك شاه زمان وزوجة اخيه شهريار وعزم الاخير ان يقترن كل ليلة بفتاة يقتلها حين يصبح ثم في زواج شهريار بشهر زاد حين الهت الملك حتى لا يقتلها ولهذا الاطار نظر فيما بقي لنا من الادب الهندي وفي الكتاب بعد ذلك اثار هندية في القصص يضيق المجال عن تفصيلها ومنها اكثر من قصص الحيوان الهندي كما هو بين ايدينا اليوم مدون في مصر 0

على ان بالكتاب اثارات يونانية فقصة السندباد البحري تقابل بما تحتوي عليه من مغامرات ملحمة اوديسيا هوميروس وبختصة في وصف الكهف الذي يتغذى فيه الوحش بالناس وهذا هو الوحش في صورة رجل طويل القامة طويل اللحية له عينان كانهما مشعلان يعمي ضحاياه من البشر قبل ان يفترسهم ويتغلب عليه في القصة سعيد فيقتله في هذا ما يذكرنا بمخاطر يوليس في كهف بولفموس في اوديسيا هوميروس 0

وقد ترجمت الف ليلة وليلة الى الفرنسية اولا ترجمها انطوان جالان من عام 1704 حتى عام 1717 ميلادية ترجمة حرة قم ترجمت الى اللغات الاوروبية كلها ترجمات عديدة وقد اثرت تاثيرات متنوعة كثيرة في المسرحيات والقصص والشعر الغنائي والمسرحيات الغنائية وعظم تاثيرها بخاصة في اواخر القرن الثامن عشر ثم طوال العصر الرومانتيكي وقد حملت الف ليلة وليلة كثيرا من قضايا الرومانتيكية منها الهرب من واقع الحياة الى واقع خيالي طيب سحري ومنها السخرية بالملوك ومنها ترجيح العاطفة على العقل في الاهتداء الى الحقائق الكبرى اذ ان شهر زاد للاستاذ توفيق الحكيم وطه حسين وكقصة احلام شهرزاد للدكتور طه حسين ومثل مسرحية شهريار للاستاذ عزيز اباظة ومسرحية شهرزاد للاستاذ علي احمد باكثير 0

هذا وحكايات الف ليلة وليلة ليس لها طابع خلقي تعليمي الا فيما تحتوي عليه من قصص الحيوان وهي قليلة نسبيا اما بقية القصص فهي زاخرة بالمخاطرات وعالم السحر والعجائب والرابطة بين حوادثها مصطنعة تمتد عن طريق التساؤل في الزمن كما يشاء القاص فالخيط الذي يربط بين الحكايات بعيد عن فن القصة في معناها الحديث 0

وقصص الف ليلة وليلة قطعا في نشأتها الى اصول هندية فارسية كما قلنا فهي تدخل في عداد القصص المترجمة في الاصل 0

اما الحكايات القصصية العربية الاخرى التي نتحدث هنا فهي اصيلة النشاة غير مترجمة ومنها المقامات والمقامة في الاصل معناها المجس ثم اطلقت على ما يحكى في جلسة من الجلسات على شكل حكاية ذات اصول فنية وموجز هذه الاصول انها حكاية قصيرة يسودها شبه حوار درامي وتحتوي على مغامرات يرويها راو ( وهو عيسى بن هشام في مقامات بديع الزمان والحارث بن همام في مقامات الحريري ) عن بطل يقوم بها ( هو ابو الفتح الاسكندري في اكثر مقامات بديع الزمان وابو زيد السروجي في مقامات الحريري ) وقد يكون هذا البطل شجاعا يقتحم اخطارا وينتصر فيها وقد يكون ناقدا اجتماعيا او سياسيا وقد يكون فقيها متضلعا في مسائل الدين او مسائل اللغة ولكنه في حالاته كلها تقريبا متسول ماكر ولوع بالملذات مستهتر يحتال للحصول على المال ممن يخدعهم ثم هو دائما اديب يجيد في اسلوبه عن بديهة وارتجال وفي المقامات وصف للعادات والتقاليد التي تسود الطبقات الوسطى والدنيا في كثير من المجتمعات الاسلامية 0

وكان يمكن ان يكون هذا الجنس اخصب جنس ادبي في العربية وان يقوم في نقد العادات والتقاليد والقضايا الاجتماعية مقام القصة والمسرحية في الاداب الاخرى لولا انه سرعان ما انحرف عن النقد الاجتماعي في صورة جدية الى الماحاكات اللفظية والالغاز اللغوية والاسلوب المصطنع الزاخر بالحلية اللفظية التي لا تعود على المعنى بطائل يذكر 0

واول من اخترع المقامات في معناها الفني السابق واعطاها هذا الاسم في العربية هو بديع الزمان الهمداني وهو متاثرا في اختراعه بنموذج واقعي لمقاماته هو الشاعر ابودلف الخزرجي الينبوعي مسعر بن مهلهل وهو معاصر لبديع الزمان وقد كان مثال الجوال جاب الافاق المحتال على كسب الرزق بالادب والشعر والحيل الاخرى الكثيرة التي تنبو عن الخلق الكريم وكان بديع الزمان يعجب به ويحسن اليه ويحفظ من شعره وقد ضمن مقاماته بعض شعره مثلا هذين البيتين من قول ابو دلف :

ويحك هذا الزمان زور فلا يغرنك الغرور

لا نلتزم حالة ولكن در بالليالي كما تدور

ضمنها بديع الزمان مقامته القريضية وللشاعر المذكور قصيدة طويلة تسمى القصيدة الساسانية يفاخر فيها بمهنة التسول في لهجة ساخرة ولغة تشف عن اسى من عانى من واقع الحياة الاليم ومن هذه القصيدة :

تعريت كغصن البــــا ن بين الورق والخضر

وشاهدت اعاجيبــــا والوانا من الدهر

فطابات بالنوى نفسي على الامساك والفطر

على اني من القوم الــــ ــــحمى في سالف العصر ( مو طلعون اشاعه انها حفظ لانها بالملخص تراها

فظل البين يرمــــينا نوى بطنا الى ظهر موجودة كمثال , مافي ابيات حفظ في المادة )

كما قد تفعل الريح بكثب الرمل في البر

وقد يكتسب الخبز بمكروه من الامر

الا اني حلبت الدهـــ ـــر من شطر الى شطر

وللغربة في الحر فعال النار في التين

وماعيش الفتى الا كحال المد والجزر

فبعض منه للخير وبعض منه للشر

فإن لمت على الغربـــ ـــــــة مثلى فاسمعن عذري

ولا شك ان هذه القصيدة قد امدت بديع الزمان بالمادة الغفل لاكثر مقاماته كما كان ابودلف هذه صورة نفسية واضحة لبطل مقامات بديع الزمان ابي الفتح

وقد الف الحريري ( القاسم بن علي بن محمد بن عثمان ) مقاماته على غرار مقامات بديع الزمان وتفوق عليه فخطا هذا الجنس الادبي خطوات لم يبلغ فيها شأوة احد من الذين قلدوه قبل عصرنا الحديث فيما يخص النضج القصصي فشخصية ابي زيد السروجي تتكرر في مقامات الحريري المختلفة لتكشف عن جوانب نفسية متعددة لتلك الشخصية وهذا نوع من التعمق في التصوير النفسي يقرب من النضج الفني في القصص الحديث فبطل المقامات الحريرية اكثر وضوحا في جوانبه النفسية من بطل مقامات بديع الزمان على ان كليهما من البيئة الاجتماعية الدنيا يصف من خلاله حيلة عاداتها وتقاليدها وكلاهما كذلك يصف مفاسد عصره ليهجو بها وينتقده من خلالها في حين يستفيد منها في استهتار ينم عن واقع مسف هو نتيجة لمفاسد العصر كذلك 0

وينص الحريري على انه قصد من وراء هذا الوصف للشر التحذير منه والعظة به والتنبيه الى خطره وان قصده خير من وراء تصويره لصنوف هذا الشر ولم يفطن الى هذه الغاية التي هي كفاء ما يقصده كتاب الواقعية الحديثة احد من ناقدي العرب القدماء 00 على انها مما تجب الاشادة به 0

يقول الحريري في تقدميه لمقاماته :

( ومن فقد الاشياء يعتن المعقول وانعم النظر في مباني الاصول نظم هذه المقامات في سلك الافادات وسلكه مسلك الموضوعات عن العجاوات والجمادات ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات او اثم روايتها في وقت من الاوقات ثم اذا كانت الاعمال باليات وبها انعقاد العقود الدينيات فأي حرج على من انشأ ملحا للتنبيه لا للتمويه ونحا بها منحى التهذيب لا الاكاذيب وهل هو في ذلك الا بمنزلة من انتداب لتعليم او هدي الى صراط مستقيم )

وقد بدا الحريري مقاماته على نحو ما بدا بديع الزمان بإتخاذ نموذج بشري واقعي بطلا لمقاماته وان يكون نموذج الحريري واقعيا باسمه وخلقه ذلك انه على لثر غارة الصليبين على مدينة سروج وهي قريبة من البصرة قد تعرضت لما تعرضت له بلدة الحريري البصرة في الغارة نفسها فخرجت وتشردت اهلها وكان من اهل سروج المتشردين رجل يسمى ابا زيد وفد على البصرة متسولا ودخل بها مسجد بني حزام وفيه كان الحريري الذي راى في ابي زيد رجلا مقوالا فصيحا يائسا ضائق الذرع بما آلت اليه حاله من العسر بعد اليسر فهو لذلك مستهتر ساخر فأنشا مقامة في وصف ذلك الرجل ومقدمة اليه وحالته وهي المقامة الحرامية ( المقامة الثامنة والاربعون في مجموعة مقاماته التي بين أيدينا ) واخذ في المقامات الاخرى يصف نفس الشخصيات ومغامراتها بين الناس لكسب العيش وارضاء الغرائز بروح واقعية لا امل لديها ولا مثالية ولكن وراء هذا الاستهتار نفسا آسية تحن الى وطنها والى ماضيها ويروعها الماضي المفقود الى جانب ماتعاني في الحاضر المجهود 0

وقد اثر الادب العربي فيما يخص جنس المقامات في الادب الفارسي ففي مقامات حميد الدين الفارسية للقاضي حميد الدين التبخي – عمر بن محمود – يسير 0

مؤلفها على نهج بديع الزمان والحريري كما يعترف في مقدمة مقاماته الفارسية على الرغم من ان مقاماته تختلف عن المقامات العربية من وجوه فشخصية المؤلف تحتل المكانة الاولى المباشرة فيها فليس فيها راو معين وانما يروي بطل تتعدد مواقفه في مختلف المقامات كما راينا في مقامة الحريري وبديع الزمان بل اننا نرى في كل مقامة من مقامات الفارسية بطلا يقوم بمغامراته ثم يختفي دون ان يبين عن اسمه او مصيره ويظل مجهولا وراء ستار الغموض والابهام على ان المؤلف الفارسي يتوسع كذلك في مقاماته التي موضوعها المناظرات وكذا في المقامات ذات الطابع الصوفي وهاتان نزعتان انفرد الفرس بالتوسع فيهما 0

وقد اثرت المقامات العربية كذلك في الادب الاوروبي تاثيراواسعا متنوع الدلالة فقد غذت هذه المقامات قصص الشطار الاسبانية بنواحيها الفنية وعناصرها ذات الطابع الواقعي ثم انتقل التاثير من الادب الاسباني الى سواه من الاداب الاوروبية نساعد على موت قصص الرعاة وعلى تقريب القصة من واقع الحياة ثم على ميلاد قصص العادات والتقاليد في معناها الحديث وهي التي تطورت فكانت بحق قصص القضايا الاجتماعية فيما بعد 0

ومما يندرج في الجنس القصصي في ادبنا القديم ايضا رسالة التوابع والزوابع للشاعر الكاتب الاندلسي ابي عامر احمد بن شهيد وهي رحلة خيالية في عالم الجن يحكي فيها كيف التقى بشياطين الشعراء السابقين من توابع ( مفردة تابع او تابعه أي ما يتبع الانسان من الجن ) والزوابع جمع زوبعه اسم شيطان او اسم رئيس الجن وتجري بينه وبينهم مناظرات ومساجلات ادبية وكذلك بينه وبين ما يجد من مخلوقات في عالمهم وهو ينتصر في هذه المساجلات الادبية دائما وفي مقدمة الرسالة معلومات عن حياة المؤلف وتسود هذه الحكاية روح فكاهة مع سخرية سطحية وفكرة شياطين الشعر قديمة وهي الرمز الاسطوري للالهام واذا صح ان هذه الرسالة سابقة على رسالة ابي العلاء كان لمؤلفها الفضل في البدء برحلة ادبية الى عالم آخر يشبه عالم الارواح في الاسراء والمعراج ولكن القيمة القصصية لرسالة ابن شهيد ضئيلة هينة 0

واما رسالة الغفران التي الفها ابو العلاء المعري فهي رحلة تخيلها ابو العلاء في الجنة وفي الموقف وفي النار كي يحل في عالم خياله مسائل ومشاكل ضاق بها في عالم واقعه من العقاب والثواب وتناسخ الارواخ والغفران مع كثير من المسائل واللغوية يوردها مورد الساخر تارة والناقد اللغوي المتبحرة تارة اخرى وليس العالم الغبي فيها لا قالبا عاما لا رمزية فيه لعب فيه خيال ابي العلاء المعري دورا فريدا في الادب العربي وفي الرسالة كثير من الحكايات العارضة التي من شأنها ان تضعف القيمة الفنية القصصية للرسالة 0

وحتى لو سلمنا ان الرسالة ابي العلاء المعري هذه المتاخرة عن رسالة ابن شهيد السابقة فاننا لا نعتقد ا ن ابا العلاء تاثر بابن شهيد في شيء ذلك ان رسالة ابي العلاء اعمق واوسع مجالا واغنى في نواحيها الفنية القصصية من رسالة ابن شهيد 0

ولا شك ان رسالة الغفران تشبه الكوميديا الالهية لدانته في نوع الرحلة واقسامها وكثير من مواقفها وقد دفع هذا التشابه بعض الباحثين الى القول بأن ابا العلاء اثر في دانته وهذا خطا اذ لا يوجد أي دليل على اطلاع دانته على رسالة ابي العلاء وقد سبق ان بينا مصدر دانته العربي الاسلامي كما كشفت عنه البحوث الحديثة ولا مجال الان لخلق اراء اخرى لا تستقيم مع البحث العلمي 0

واما هذا التشابه بين رسالة ابي العلاء وكوميديا دانته فقد يكون راجعا الى انهما كليهما قد افاد من حكاية الاسراء والمعراج كما وردت في الاحاديث الاسلامية غير الموثوق بها وفي هذه الحالة يكون لابي العلاء فضل الافادة ادبيا من التراث الاسلامي قبل دانته 0

وقد يكون ابو العلاء متاثرا بمصدر فارسي في رحلته هو كتاب ( ارده ويراف نامه ) وفيه حكاية رحلة المؤيد الزرادشتي ارده ويراف الى الجحيم والاعراف والجنة بل لا يبعد ان يكون المصدر الفارسي المذكور اصلا لما سار بين المسلمين من خرافات حول الاسراء والمعراج 0

واخيرا نذكر من القصص العربية القديمة قصة حي بن يقظان : واول من الف رسالة فلسفة على الطريقة الصوفية في الرمز هو ابن سينا ( ابو علي الحسين بن عبدالله بن سينا ) ويلقب بالرئيس وهي تسمى رسالة حي بن يقظان وحي يقصد به العقل الفعال او النفس الملكية الفكرة وهذا العقل حي دائما غير متغير لا يهرم ابدا وابن يقظان كناية عن صدوره عن القيوم الذي لا تاخذه سنة ولا نوم والرحلة الموصوفة في الرسالة رمزية ترمز الى طلب الانسان المعارف الخاصة بصحبة رفقته من الحواس وفي الحركة تطلب المعارف العليا يستعين الانسان بالعقل الفعال الذي يهديه عن طريق المنطق والفلسفة وبفضل مصدر المعارف الذي هو مصدر النفس الملكية وهذا العقل الفعال قدسي ويحذر هذا العقل الفعال الانسان من فعلته = حواسه ومنالتخيل الذي يعبر عنه ابن سينا قائلا ( واما هذا الذي امامك فباهت مهذار يلفق الباطل تلفيقا ويختلق الزور اختلاقا وياتيك باخبار مالم تزود قد درن حقها بالباطل وضرب صدقها بالكذب وانك لمبتلى بإنتقاد حق ذلك من باطله والتقاط صدقه من زوره ) وبهذا العقل الفعال يهتدي المرء الى الحقائق العليا والافلاك التسعة التي هي العقول التسعة ثم علة العلل وهو العقل العاشر 0

وقد حاكى رسالة ابن سينا السابقة – في العبرية شعرا – ابن عزرا كما ترجمها الى العبرية وشرحها ابن زيلا تلميذ ابن سينا ونشرت هذه الترجمة والشرح في برلين 0

المذاهب الادبية

تدخل المذاهب الادبية في الدراسات المقارنة بوصفها تيارات فكرية وفنية واجتماعية تعاونت الاداب الكبرى العالمية في نشأتها ونموها وقد مثل كل مذهب منها روح العصر الذي نشأ فيه خير تمثيل فكان فيه بمثابة تيار عام فرضه العصر على صفوة كتابه المفكرين كي يستجيبوا لمطالبه ويقودوا امكانياته ويبلوروا مثله ويشاركوا في وجوه نشاطه الانسانية وهذه المذاهب لدى دعاتها وممثليها الحقيقين ليست مفروضة عليهم من خارج نطاق الفن لانها صادرة عن اقتناعهم وولائهم لروح عصرهم وايمانهم برسالتهم الانسانية فيه 0

وقد ازدهرت هذه المذاهب في الاداب الغربية منذ اسفر عصر النهضة الاوروبي عن الاستقرار الكلاسيكي بما ساد فيه من اسس فنية وفكرية 0

وقد سبق ان اشرنا الى كثير من مبادئ هذه المبادئ واسسها تبعا لدراستنا للمواقف والنماذج البشرية وتاثير الكتاب العالميين في مختلف الاداب ولكنا نتخذها هنا موضوعا مستقلا للدراسة واهميتها واضحة من ناحية تاثيرها العميق في ادبنا الحديث اذ لا نستطيع ان نفهمه حق الفهم ولا ان نتبع في دقة جوانب التجديد فيه بدون القيام بتلك الدراسة وليست غايتنا هنا تفصيل القول في ذلك مما لا سبيل اليه في حدود هذا الكتاب انما نقصد الى بيان سير المذاهب بما يجلو معناها في مفهومها الكامل في الاداب الغربية لنشير بعد ذلك الى مقدار افادتنا منها 0

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:10 pm

عددي المذاهب الكبرى ؟

الكلاسيكية ,, الرومانتيكية ,, البرناسية ,, الواقعية ,, الرمزية ,, الوجودية ,,

المذهب الكلاسيكي

قد سبق الايطاليون الى التمهيد لنشاة المذهب الكلاسيكي فقد كثرت عندهم ترجمات فن الشعر لارسطو عن الاصل اليوناني في القرن السادس عشر وكذا فن الشعر لهوارس وتوالت شروحها 0

ثم الفت كتب اخرى كثيرة عنوانها : فن الشعر ,, وهي تنتج منهج الكتابين السابقين وتاخذ عنهما ولكن مع تاويل تبعد به قليلا او كثيرا عن النعتى الدقيق فيهما 0 ونشير هنا – من بيت هذه الكتب الكثيرة – الى كتاب روبرتلو الذي نشر عام 1548 وعنوانه : شرح كتاب ارسطو في فن الشعر ,, وهو اول هذه الكتب ثم كتاب مينتورنو : فن الشعر ,, ثم شروح سكالوجر وكاستلفترو 0 وفي هذه الكتب جميعا وضحت المبادي الاولى للقواعد الكلاسيكية فغاية الشعر هي الفائد الخلقية من خلال المتعة الفنية وانه يتطلب التعلم والصنعه ويعتمد عليها اكثر مما يعتمد على الالهام او الموهبة مع شرح قواعد الاجناس الادبية وبخاصة قواعد الماساة والملهاة في ضوء محاكاة الاقدمين وعلى الرغم من هذه الجهود في نقد الايطاليين لم يتم نضج الكلاسيكية ولم ينتج الكتاب ادبا على حساب قواعدها الا في اللغة الفرنسية في القرن السابع عشر وقد الف بوالو في فرنسا كتابه : فن الشعر عام 1674 م أي بعد ان استقرت الكلاسيكية ولكنه كان خير من قعد لها ومثل في خروجه روح العصر واتجاهاته على حسب مبادئها ولذا ساعد على استقرارها في الادب الانجليزي بعد ذلك ولقد ترجم كتابه اليها ترجمه حرة الشاعر الانجليزي جون اولدهام ومن قبل اثر بوالو تاثيرا عميقا في جون دريدن ومعاصريه فساروا على نهج الكلاسيكيين الفرنسيين في ادبهم ونقدهم كما في محاورة دريدن في نقد الشعر وعليه وعلى بوالو اعتمد الاسكندر بوب في رسالته في النقد وهي رسالة شعر تعليمي فيها يضع قواعد المسرحية محاكيا القدماء على نحو ما فعل بوالو ولم يغب عن عينيه مثال بوالو في كل ما نظم فيها وقد سبق ان ذكرنا مسرحية دريدن في موضوع كليوباترا وفيها يتجلى تاثير المسرح الكلاسيكي الفرنسي في الوحدات الثلاث وطريقة المعالجة بعلمه على الرغم من اعجاب دريدن بشكسبير الذي كان خير من عالج هذا الموضوع في الادب الانجليزي قبله

وفي المانيا رست قواعد الكلاسيكية كذلك وبخاصة بعد رسالة جوتشيد في فن الشعر ونقده وقد نشرت لاول مرة عام 1730 م وفي الكلاسيكية كلها تجلت الفسفة العقلية ومن الناحية الفنية سارت الكلاسيكية على فصل الاجناس الادبية بعضها عن بعض وحافظت بعامة على الوحدات الثلاث في المسرحية على حسب تاويل الايطاليين لها عن ارسطو وعلى نظرية محاكاة الاقدمين 0

والعقلية عن الكلاسيكيين اساس لفلسفة الجمال في الادب اذ الادب انعكاس للحقيقة وعندهم ان الحقيقة هي في كل زمان ومكان والعقل هو الذي يحدد رسالة الشاعر الاجتماعية ويعزز القواعد الفنية الاخرى وهو عماد الخضوع للقواعد عامة ثم انه هو الذي يوحد بين المتعه والمنفعه ولا يصح ان يحاكي الاقدمون الا بقر اتباعهم للعقل وقد ساعد ديكارت على ارساء قواعد العقل عند الكلاسيكيين ولكن اصل التاثير يرجع الى شروح الايطاليين لارسطو من قبل 0

والعقل عندهم مرادف لصدق الحكم ويتنافى والخيال في معناه قديما كما عرفوه عن ارسطو اذ الخيال غريزة عمياء وقسمة مشتركة بين الانسان والحيوان وعندهم ان الشعر المسرحي لغة العصر 0 بل ان سانت افريمون عاب الشعر نفسه بأسم العقل وفضل عليه الفكرة الواضحة في النثر وفي هذا المجال ازدوج تاثير العقلية الكلاسيكية والديكارتية معا وكان من نتيجة ذلك ان ضعف الشعر الغنائي وهان شأنه وبخاصة في الادب الفرنسي وظلت الحال كذلك حتى الرومانتيكية 0

والعقل عند الكلاسيكيين يرادف الذوق السليم والحكم السليم ومن هذه الناحية اتخذوه وسيلة لتثبيت دعائم التقليد والقواعد المقررة وهم يعارضونه بالذوق الفردي ويفضلون العقل لانه ثابت غير متغير فأساس الجمال في الادب العقل ان يكون صالحا لكل زمان ومكان 0

المذهب الرومانتكي

وفي اواخر القرن الثامن عشر واوئل القرن التاسع عشر الميلاديين قامت الرومانتيكية على انقاض الكلاسيكية في انجلترا اولا ثم في المانيا وفرنسا ثم في اسبانيا وايطاليا والتيار الفلسفي الذي قامت عليه الرومانتيكية هو التيار العاطفي الممثل في الفلسفة العاطفية وقد كان جمهور الرومانتيكية هم الطبقة الوسطى او الطبقة البرجوازية بعد ان كان جمهور اسلافهم يتمثل في الطبقات الارستقراطية التي كان يعتمد عليها الكتاب الكلاسيكيون ويحرصون على نيل حظوة لديها 0 وكانت قد نهضت الطبقة الوسطى في عصر الرومانتيكيين وتطلعت الى نيل حقوقها السياسية والاجتماعية فوجد فيها الكتاب جمهورا يقرا لهم ويمكنهم الاعتماد عليه والاكتفاء به بدلا من الاعتماد على الطبقات الارستقراطية وقد كان هؤلاء الكتاب انفسهم من صميم تلك الطبقات ففضلوا ان يعبروا عن مطالب طبقتهم ويبلوروها ويعيشوا في صميم مسائلها ومشكلاتها على ان يظلوا يعيشوا كأسلافهم على هامش طبقة ارستقراطية ليسوا منها وانفوا ان يقنعوا بمكان متواضع من المجتمع يعبرون فيه عن قيم لا تمثل حاجات طبقاتهم الاجتماعية الملحة على ان مسلكهم في ذلك كان يتفق والمشاعر الانسانية اذ كانوا يدافعون عن طبقة مهضومة الحق هي الطبقة التي نشأوا فيها وهم على وعي بأنهم يقودون معركة التحرير ضد طبقات الطفيليين من الارستقراطيين فكان الادب تمهيدا للثورة ومصاحبا لها عن حرية وايمان برسالته الانسانية ففيه على حد تعبير فكتور هوجو ( تظهر الهه الشعر من جديد لتستولي علينا وتقودنا باكية على ما في الانسانية من بؤس , تحلق في الذرى او تهبط الى الاعماق قارعه او معزية فترد الحياة جميعا وضاءة بتحليقها وعصفها وبأنغام مزهرها منطقة كإعصار من الشرر وبما لها في الهواء والحناجر والكتب وتاخذ الثورة بيد الحرية اختها فتجعلها تنفذ في كل انسان من جميع مسامه وبعد ان ملأت الشعب اعتدادا محت التجاعيد القديمة من الحياة وسمت بسواد الشعب المحقور ثم اصبحت فكرة بعد ان استقرت حقا )

وتجلى في ادب الرومانتيكيين – نتيجة الفلسفة العاطفية والتعبير عن مطالب الطبقة البرجوازية – الاعتداد بالفرد وحقوقه تجاه المجتمع مما يستلزم لديهم قيام نوع من التعاون جديد بينه وبين مجتمعه يقصد فيه الى الحد من حقوق الطبقات الارستقراطية تمهيدا للقضاء عليها فكانت موضوعات المسرحيات والقصص والاشعار الغنائية ذات طابع شعبي وكانت شخصياتها من سواد الشعب او من الشعوب البدائية ذات الفضائل الفطرية فاذا تحدثوا عن شخصيات ارستقراطية كان ذلك للحملة عليها والسخرية منها وتحميلها تبعة ما ساد مجتمعهم من مظالم وطالما قصدوا الى اعذار الفرد فيما يرتكب رغبة في تنبيه مجتمعهم الى ضحاياه وكان عصرهم كذلك هو عصر نشوء القومية والوطنية في اوروبا فأخذوا يحيون في ادبهم مآثر اجدادهم وصراعهم في سبيل حريتهم ويشيدون بذلك خاصة في القصص والمسرحيات وحرصوا في هذه المسرحيات والقصص على وصف اللون المحلى للعصر او البلد الذي تجري حوادثها فيها وهذا اللون الموضعي قد حافظت عليه المذاهب الادبية الاخرى التي تلتهم وتمثل في الاتجاهات السابقة كلها طابع الادب الرومانتيكي من الناحية الاجتماعية المدعمة بالاتجاه الفلسفي العاطفي السابق الذكر 0

اما من الناحية الفنية فقد اخترعوا قوالب فنية تلائم مقاصدهم كما في جنس القصة التاريخية الذي سبق او اوجزنا فيه القول 0 وفي المسرحية خلطوا الماساة والملهاة فيما يسمى الدراما الرومانتيكية اقتداء بشكسبير وقضوا فيها على وحدة الزمان والمكان 0

وقد نهض الشعر الغنائي نهضة عظيمة بفضل الرومانتيكيين لاعتدادهم بالفرد ومشاعره ولفهمهم الخيال على نحو يناقض ماكان يفهمه الكلاسيكيون فالخيال عند الرومانتيكيين هو الذي يولد الصور والصور وسائل تجسيم المشاعر والافكار وقد كان الفيلسوف الالماني ( كانت ) اعظم فيلسوف اثر في اراء الرومانتيكيين في بيان قيمة الخيال وعنده ان الخيال ذو صلة بالحواس التي تصدر عنها معارفنا الدنيا ولكنه يستقل عن هذه الحواس في انه يستطيع وحده ان يكون صورا دون ضرورة مثول الاشياء الحية امامه فاذا اقتصر على توليدها مامر بالحس قبل من مرئيات فهو الخيال العام اما اذا تجاوزت ذلك الى خلق صور ممكنة تستمد عناصرها من المرئيات السابقة وهي ذاتها اصيله على عهد للمرئيات الواقعية بها فهو الخيال الانتاجي وعلاقته بالحساسية والادراك ليست علاقة خارجية ولكنها علاقة التنظيم والتكوين والتوحيد لانه يوحد بين المعرفة في ادنى درجاتها عن طريق الحواس المعرفة في اعلى درجاتها بالادراك ولا تتيسر المعرفة للانسان بدونه ويضيف ( كانت ) الى ذلك قوله ( قلما يعي الناس قدر الخيال وخطره ) ويقسم كوليردج الخيال الى نوعين هما :

1- الخيال الاولى : وهو مقابل لما سماه ( كانت ) الخيال الانتاجي وهو ضروري لكل ادراك علمي 0

2- الخيال الثانوي : وهو الخيال الجمالي ويتخذ مادة عمله مما يصدر عن الخيال السابق من مدركات فيحولها الى تعابير بمثابة الجسم للافكار التجريدية والخواطر النفسية والطبيعية كما يراها الشاعر رموزا للحياة الفكرية التي يمارسها المرء او يشارك فيها 0

وتردد مدام دي ستال وهي اول داعية للرومانتيكية في فرنسا صدى هذه الاراء التي مثلت تيارا عاما اوروبيا لدى الرومانتيكيين بقولها ( في داخل كل امرئ مشاعر ذاتية فطرية لا اكتفاء لها بالاشياء الخارجية وخيال الرسامين والشعراء هو الذي يكسب هذه المشاعر صورة وحياة ) وقد كان للاعتداد بالخيال على هذا النحو هو اثر في السمو بمكانة الشعر الغنائي على حسب ما يقول هردر ( الشعر الغنائي هو اتم التعبير عن الانفعال او عن التصور في اعلى درجات ايقاعه اللغوي ) وفي ذلك ولد الشعر الغنائي في مفهومه الحديث في الادب الاوروبي وضعف شان شعر المدح التقليدي وهان الشعر الخلقي والتعليمي وفضل الشعر الغنائي شعر المسرحيات الموضوعي تمهيدا لانصراف هذه المسرحيات الى لغة النثر بعد الرومانتيكيين 0

وفي داخل التجربة الشعرية تصبح كل صورة بمثابة عضو حي في بنيتها الفنية وهذا ما يسمى ( عضوية ) الصورة الشعرية فالقصيدة وحدة شعرية تشبه وحدة المسرحيات العضوية وتبعا لذلك تكون القصيدة الغنائية عضوية أي ذات بنية حية تنموا بها من داخلها في اتساق تام نحو نهايتها وهذه خاصة الشعر وبه يمتاز عن الفنون التجسيمية من نحت وتصوير واول من قرر هذه الخاصة لسنج الالماني في كتابه لاوكون وهو رومانتيكي فكرته هذه على الرغم من كلاسيكيته في ارائه الاخرى وعنده ان الرسم والنحت مبدؤهما مكاني لا زماني في حين مبدا الشعر زماني لا مكاني لانه يجسم لنا الافكار من خلال حركة القصيدة وقد اعجب بقوله هذا جوته وهو من اباء الرومانتيكيين ويقرر هذا المبدا الفني ايضا اوسكار وايلد فالقصيدة الغنائية ذات وحدة عضوية نامية وخاصة الصورة في شعر الرومانتيكيين انها شعورية تصويرية لا عقلية فكرية ومنذ الرومانتيكيين تقرر ان كمال الشعر في لغته التصويرية لا التقريرية العقلية ولذا عيب الشعر الكلاسيكي فيما يرى كوليردج بأنه يضحي بالعاطفة المنطلقة المشبوبة في سبيل الدقائق الذهنية والوثبات الفكرية 0

ويقول جورج مور ( اوبئة العمل الفكري وطفيلياته تلك هي الافكار ) ومبنى الصور على المشبهات الجوهرية التي تثير المشاعر لا على المظاهر العرضية العابرة 0

والرومانتيكي ذاتي في صوره يصف الطبيعه والاشياء من خلال ذاته فنفسه مرآة لما حوله ومن حوله 0

ولذا كانوا يخلطون مشاعرهم بمناظر الطبيعه ويكثرون من تشخيصها وقد دعوا في صورهم الى الاصالة بحيث يصدر الشاعر عن ذات نفسه في موقفه لا الى حفظ في ذاكرته من صور , يقول فكتور هوجو ( يجب ان يحترس الشاعر على الاخص من النقل عن أي امر كلاسيكيا كان ام رومانتيكيا يسنوي في ذلك شكسبير وشيلر وكورني 000 ان طفيلي العملاق لا يزيد ان يكون قزما ) وقد اثر الرومانتيكيون ابلغ الاثر في الشعر الغنائي فنهضوا به وجددوا مفهومه وسنوا فيه اصولا فنية اثرت اعمق الاثر في شعرنا الحديث بل انها في كثير من نواحيها السابقة اثرت في المذاهب الادبية التي خلفتهم 0

وحول منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ماتت الرومانتيكية في الاداب الكبرى الاوروبية واخذ يخلفها مذهبان اخران هما :

1- المذهب البرناسي : وهو مذهب الفن للفن فيما يخص الشعر الغنائي 0

2- ومذهب الواقعية او الواقعية الطبيعية : فيما يخص القصة والمسرحية 0

والاسباب الفلسفية والاجتماعية التي ساعدت على موت الرومانتيكية هي التي ساعدت على قيام هذين المذهبين في تلك الاداب 0 ولهذا كان بين هذين المذهبين وجوه شبه كثيرة على الرغم من الفروق الاخرى الجوهرية بينهما تبعا للاجناس الادبية التي شغلا بها 0

المذهب البرناسي

فأما المذهب البرناسي فهو نسبة الى جيل بارناس باليونان موطن الاله ابولو والهة الفنون في اساطير اليونان قديما وهو المقام الرمزي للشعراء وكان قيام هذه المدرسة على اساس فلسفي مزدوج اذ هو يعتمد من ناحية على الفلسفة المثالية الجمالية واعظم دعامة لهم من هذه الناحية فلسفة ( كانت ) ومن ناحية ثانية على الفلسفة الواقعية والتجريبية التي سادت في اوروبا منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر 0

وموجز ما يخص الفلسفة المثالية ان ( كانت ) كان اعظم من فرق بين الجمال في ذاته والمنفعه فالعمل الفني ذو خصائص جوهرية بها تتوافر له صفة الجمال وجماله المحض لا يتمثل في سوى شكله والحكم الجمالي يمتاز بخصائص هي :

1- انه يصدر عن رضا من الذوق لا تدفعه اليه منفعه ,, أي ان المتعة الفنية لا تهتم بقيمة موضوعها وتحقيقه بخلاف اللذة الحسية التي تتطلب التملك وبخلاف الرضا الخلقي الذي يريد تحقيق موضوعه , فالرسام يعجب بفاكهة او بصورتها ولكنه لا يشتهي اكلها او بيعها بوصفه فنانا 0

2- ان الجمال تقومه الاذواق محسوسا دون حاجة الى افكار عامة مجردة 0

3- ان كل شيء له غاية تدرك او يظن وجودها فيه الا الجمال فاننا نحس امامه بمتعة تكفينا السؤال عن الغاية منه بحيث لو وجد عالم ليس فيه سوى الجمال كان غاية في ذاته 0 فاذا فكر عالم النبات او التاجر او الزارع في انتاج فاكهة وقيمتها التجارية فانه لا يفكر حينذاك في قيمتها الجمالية وعلى من يريد ان يتوافر له الذوق الجمالي ان يعجب بالشيء الجميل دون ان يلقى بالا هذه الغايات وهذه ما يسميه ( كانت ) الغائية بدون غاية في الشيء الجميل 0

4- ان الحكم الجمالي ذاتي ابتداء ولكنه موضوعي من ناحية التصوير أي من ناحية اشتراك ذوي الاذواق فيه دون حاجة الى اقسية منطقية او تجارب عمليه لانه صادر عن الوعي الجمالي , فاذا حكمنا بما يخالفه كان في ذلك معصية للضمير الجمالي تشبه معصيتنا لضميرنا الخلقي فيما لو خالفنا واجبا خلقيا فالجمال موضوع متعة لا غاية لها ولا علاقة لها بالمنفعه المحسة كما هو الشان في الشيء اللذيذ ولا بالمصلحة الخلقية كما هو الشان في الخير 0

ويعد الفيلسوف الالماني هيجل امتدادا لفلسفة ( كانت ) فيما يخص معادلة الشكل الجمالي بالمضمون ويهمنا هنا من ذلك ان يرى ان الكمال الفني في تعادل الشكل بالمضمون على اتم صورة قد تمثل في فن اليونان وهي مرحلة الكمال التي لن يصل اليها الفن بعد ذلك ابدا 0

وقد اثرت هذه الفلسفة في دعوة البرناسيين الى استقلال الشعر عن كل غاية اجتماعية او خلقية وفي ان العصر الذهبي للشعر هو عصر الاغريق الذي لن يصل اليه الشعر ابدا 0

وكان من اوائل من رددوا صدى هذه الفلسفة في فرنسا هو بنجامين كونستان في يومياته الخاص ثم ظهرت عبارة ( الفن للفن ) في محاضرات فكتور كوزان التي القاها في السربون وفيها ( الشريعه لامور الدين والخلق للخالق والفن للفن ولا يمكن ان يكون الفن طريقا للنافع او للخير ولا للامور القدسية لان الفن لا يقود الا الى ذات نفسه )

وتجلى صدى هذه الفلسفة في اراء تيوفيل جوتييه وهو من اكبر طلائع البرناسيين اذ يقول في صحيفة معاصرة له عنوانها الفنان ( ونحن نعتقد في استقلال الفن فالفن ليس لدينا وسيلة ولكنه الغاية وكل فنان يهدف الى ماسوى الجمال فليس بفنان فيما ترى ولم نستطيع قط فهم التفرقة بين الفكرة والشكل فكل شكل جميل هو فكرة جميلة ) ويقول في مقدمة قصته الفتاة دي موبان ( يسالونكاية غاية يخدم هذا الكتاب ؟ ان غايته ان يكون جميلا ) ويقول لوكنت دي ليل رئيس هذه المدرسة التي تبلورت في مبادئها الكاملة بعد منتصف القرن التاسع عشر ( عالم الجمال وهو مجال الفن الوحيد – غاية في ذاته لا نهائي 0ولايمكن ان ولايمكن ان يكون له صلة باي ادراك اخر دونه مهما يكون وليس الجمال خادما للحق لان الجمال يحتوي على الحقيقة الالهية والانسانية فهو القمة المشتركة التي تلتقي عندها طرق الفكر وما عداها يدور في دوامة من المظاهر والشاعر الذي يخلق الافكار أي الاشكال المرئية وغير المرئية في صور حية او مدركة عليها ان يحقق الجمال بقدر ما تتيحه له قواه ورؤاه النفسية في تراكيب فنية الصنع تتم عن عمق خبرة محكمة النسج منوعة الالوان موسيقية الاصوات تمتاح من موارد شتى من عاطفة وتفكير وعلم واصالة اذ ان كل عمل فكري لا تتوافر فيه الشروط لخلق جمال حسي لا يمكن ان يكون عملا فنية ولذا كان على الشعر الا يهتم بمطالب الحياة المادية المعاصرة اذ القطيعة كاملة بينه وبين الدهاء 0

وفي اقوال لوكنت دي ليل السابقة تظهر الدعوة الصحيحة للمذهب البارناسي ففيها الحرص على استكمال النواحي الفنية للعمل الشعري وفيها كذلك ضرورة توافر الخبرة والعلم والاصالة للشاعر بحيث يكون عمله ذا اثر فكري وانساني 0 واذا كان لوكنت دي ليل قد قطع الصلة بين الشعر الرفيع وبين الدهاء فانه لم يقطع تلك الصلة بينه وبين الصفوة وبينه وبين الحقيقة والعلم ومن هذه الناحية يتجلى تاثر البارناسيين بالفلسفة الوظعية والتجريبية 0

ذلك ان نقاد الادب لعهدهم ارادوا ان يوفقوا بين مطالب العلم ومطالب الفن وان يجمعوا الى عنايتهم بالحقيقة عنايتهم بالخصائص الجمالية وفي تلك الفترة كانت قد عضمت ثقة الكتاب والنقاد في العلم وانه سيحل كل مشاكل الانسان وقد دعت الفلسفة الوضعية التي اسسها اوجت كونت والفلسفة التجريبية بفضل جون ستيورات ميل والى خروج الانسان من حدود ذاته طلبا للمعرفة الصحيحة وان العلم هو الذي يقود الى هذه المعرفة لا القلب كما كان يرى الرومانتيكيون 0

وموجز قضايا الفلسفة الوضعية والتجريبية التي تهمنا هنا : ان المعرفة المثمرة هي معرفة الحقائق وحدها وان العلوم التجريبية هي التي تمدنا بالمعارف اليقينية وان الفكر الانساني لا يستطيع ان يعتصم من الخطأ في الفلسفة وفي العلم الا بعكوفة الدائب على التجربة وبتخليه عن افكاره الذاتية السابقة 0

واعظم ناقد ادبي يمثل هذه الفلسفة هو تين وقد تاثر به الواقعيون كما تاثر به البرناسيون وقد كان تين يرى استقلال الفن عن كل غاية نفعية او خلقية وان الفن يشارك العلم في هذه الخاصة يقول في احدى رسائله الى معاصره المؤرخ فرانسوا جيزو ( لكل شيء موضعه الخاص به هذه هي قضيتي الكبرى ففي الحياة العملية للخلق سلطانه المطلق ولكن اذا كنت اراه كذلك واذا كنت احبه في ميدانه فاني انفيه من الميادين الاخرى فالفن والعلم مستقلان ويجب الا يكون للخلق أي سلطان عليهما 0

ويظهر صدى الفلسفة السابقة والنقد المتاثر بها في دعوة لوكنت دي ليل فهو يقول في حفل استقباله في الاكاديمية الفرنسية ( اذا كانت الطبيعه تخضع لقوانين لا تتخلف لا تزال تتحكم فيها فان للفكر الانساني كذلك قوانينه التي تنظمه وتوجه وتاريخ الشعر يتجاوب مع تاريخ العهود الاجتماعية والاحداث السياسية والافكار الدينية وفي الشعر شرح لجوهرها الخبئ وحياتها العليا فهو حقا التاريخ المقدس للفكر الانساني ) ويقول كذلك داعيا الى وجوب افادة الشعر من بحوث العلم المعاصر في موضوعاته التاريخية والانسانية ( ان الفن والعلم اللذان طالما فرقت بينهما جهود الفكر المتباعده يجب الان ان يأتلفا ائتلافا تاما او يتوحد كلاهما بالاخر فقد كان الشعر احدهما < الشعر في العهد الاول > بمثابة الوحي الفطري للمثال الانساني الذي تضمنته الطبيعه الخارجية وكان الاخر < العلم > هو الدراسة العقلية والتعبير المشرق عنها ولكن الفن فقد هذه التلقائية الحدسية التي كانت له في عهده الفطري او بالاحرى قد استنفدها وعلى العلم ان يرشده الى المنسي من تقاليده هذه حتى يبعثها حية في الصورة الخاصة به ) ثم يقول ( والان يتوجه العلم والفن نحو اصولهما المشتركة وعما قريب ستعم هذه الحركة فالافكار والحقائق والحياة الخاصة والحياة الخارجية وكل ماهو جوهري في اصل الاجناس الانسانية القديمة وعقائدها وافكارها واعمالها اصبح يسترعي عناية الناس جميعا ) وذلك هو الاساس الفلسفي للبرناسيين 0

اما الجمهور الذي اختاره هؤلاء فقد كان يتمثل في صفوة المجتمع الذي يغدون فيه للنواحي الجمالية الرفيعة ويحيون المثل الانسانية ببعث الصور التاريخية لعصور الانسانية الماضية 0 وقد كان البرناسيين يتبعون المذهب الرومانتيكي في بادئ امرهم ويشايعون دعامة التقدم الاجتماعي ولكنهم سرعان ما ضاقوا بسواد الشعب ذرعا فترفعوا عنهم في فنهم ليتوجهوا به الى الصفوة ويعبر لوكنت دي ليل عن هذا الشعور بقوله ( انما ابغض عصري نتيجة للنفور الطبيعي الذي نعانيه من كل ما يهددنا في فننا بالموت ولكنه يا للاسى بغض لا ضرر فيه على احد لانه لا يحزن سواي ) ولم يكونوا يقصدون بدعوتهم الى الفن للفن سوى البعد عن الغايات النفعية المباشرة فكانوا يضيقون ذرعا بوصف الرومانتيكيين لاهداف سواد الشعب 0 وكذلك بوصف الاختراعات الحديثة التي تمخض عنها عصر البخار 0 يقول لوكنت دي ليل ( قلما اتاثر بهذه الاناشيد والاشعار التي يوحي بها عصر البخار والتلغراف الكهربي وكل هذه العبارات والصور التعليمية التي لا صلة لها بالفن وهي بالاحرى تدلنا على ان الشعراء اصبحوا اكثر فاكثر اقل جدوى للمجتمعات الحديثة وها قد اقتربت اللحظة التي يجب ان يكفوا فيها هذا الانتاج خشية ان يتردوا في الموت الفكري ) فليس في دعوتهم اهمال لرسالة الشعر الانسانية بهداية الصفوة الى المثل العليا والعبر التاريخية كما قد يتوهم 0

وقد يغترب البرناسيون بخيالهم في الاقطار النائية او العصور الماضية وكذلك كان يفعل الرومانتيكيون هربا من واقعهم ولكن البرناسيون كانوا يغتربون بخيالهم اغترابا علميا ذلك انهم كانوا يتبحرون في التاريخ ويحيطون بما وصل اليه العلم في دراسة الاجناس البشرية وديانتها واساطيرها وحضارتها وكانوا يفعلون مثل ذلك في تصوير مناظر الطبيعه والاحياء في البلاد النائية ويسجلون هذه المواقف التاريخية وهذه المناظر في صور موضوعية لا تظهر فيها ذواتهم كما كانت عليه الحال لدى الرومانتيكيين وهم في ذلك لا يبالون بسواد الناس ولذا جاءت صورهم في كثير من اشعارهم ذات صبغة علمية فرسالتهم موجهة في فنهم الكامل الى الصفوة 0

يقول رئيس مدرستهم مبينا غايتهم الانسانية ( ليطمئن القوم فدراسة الماضي لا صله لها بالسلبية ولا بالتجريد وليست المعرفة رجوعا الى الوراء واضفاء الحياة المثالية على مالم تعدله حياة واقعية ليس معناه الرضا بالموت او بعث صور مجدبة لا ثمرة لها )
وهم يوافقون الرومانتيكيين في العناية بالصور الشعرية في وحدتها العضوية اذ هي روح الشعر في معناه الحديث ولكن صورهم موضوعية خلافا لصور الرومانتيكيين الذاتية ولا يعتقدون البرناسيون في الالهام وميزة الشعر عندهم ان يعمم الشاعر مشاعره الخاصة في صور موضوعية يلتزم الحيدة التامة ازاءها كما يفعل العالم في معمل تجاربه 0 وقد تعكس هذه الصور مشاعر الشاعر ولكن عن طريق غير مباشر 0 والقارئ هو الذي يقف بنفسه على هذه الصور ويستنتج منها ما تشف عنه من معان انسانية ومشاعر جمالية سامية المعنى واثرت دعوتهم الى بذل الجهد لاكمال الصياغة الفنية في بعض الكتاب الواقعيين من اصحاب الاسلوب الرفيع كما هي الحال فلوبير في قصصه الواقعية مثلا وانتقل هذا

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
سمو الاميرة
المدير
المدير
avatar

عدد المساهمات : 361
نقاط : 4628
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 20/03/2012
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: ملخص الادب المقارن .    الخميس أبريل 18, 2013 7:11 pm

الاتجاه العام الى الادب الانجليزي واضحا في مثل سوينبرن و لتربيتر ولم يعمر هذا المذهب كثيرا في الادب الفرنسي فسرعان ما خلفته الرمزية في الشعر 0

وفي نفس مدة البرناسية بدا يزدهر المذهب الواقعي والواقعي الطبيعي وهو ما يطلق عليه الواقعية الاوروبية ايضا والنهضة العلمية للعصر والفلسفة الوضعية والتجريبية السالفة الذكر من الاسس المشتركة بين الواقعية والبرناسية على الرغم من ان الواقعية اتجهت الى القصة والمسرحية ولهذا وجدت مشابهة بينهما ففيهما نفس الدعوة الى الموضوعية في الخلق الادبي في وجه دعوة الرومانتيكيين الذاتية ونفس الطريقة في الملاحظة الدقيقة لصور الاشياء الخارجية عن نطاق الذات ونفس الفلسفة الثائرة على شرور الحياة مع الثقة الكبيرة في العلم انه سيحل جميع مشكلات الانسانية 0

المذهب الواقعي

وقد دعا اصحاب المذهب الواقعي الى تاليف القصة اوالمسرحية على حسب الملحوظات الدقيقة لما يحيط بالكاتب من مظاهر طبيعية وانسانية بعد الدراسة الواقعية لها فلا بد ان يختار الكاتب مادة تجاربه من مشكلات العصر الاجتماعية وشخصياتهم الادبية مأخوذة اما من الطبقة الوسطى ( البرجوازية ) في آفاتها التي تهدد المجتمع بالانحلال 0 واما من العمال فيما يعانون من حيف وما ينشدون من انصاف قالواقعيون يهاجمون الطبقة الوسطى التي كان يدافع عنها اسلافهم من الرومانتيكيين ذلك ان تلك الطبقة كانت تتعرض للظلم في العصر الرومانتيكي فساعد ادب الرومانتيكيين على صعودها الى الارستقراطية الطاغية انذاك ولكنها بعد ان تولت الحكم ظهرت فيها افات كانت مجال تصوير الواقعيين ليدقوا ناقوس الخطر لتلك الطبقة ويجددوا القيم الانسانية بما يلائم الوضع الاجتماعي الجديد وعلى يد الواقعيين دخل العمال الادب بوصفهم طبقة مفهومة الحق لعصرهم يدافع الواقعيون عن حقوقها ويتوجهون اليها 0

والواقعيون يتخذون مادة تجاربهم في قصصهم ومسرحياتهم من واقع الطبقات الدنيا ومن ادنى اعماق النفس الانسانية فهم يصورون الشر والافات في تجاربهم لتنبيه المجتمع الى تلافي انتاج مثل هذه التجارب 0

وقد زد ( اميل زولا ) على مبادئ الواقعية مبدا اخر هو انه لا بد ان ينتهي الكاتب في قصصه الى نتائج تؤيدها العلوم فيما توصلت اليه فبعد ان يجمع الكاتب الحقائق كما لاحظها ملاحظة دقيقة ليضع بها لبنات بنائه الفني ويهيئ الارض الطيبة التي تتحرك فيها شخصياته الادبية ( ياتي دور التجربة التي بها يحرك شخصياته في دائرة وقلئع خاصة ليبرهن على ان توالي الحقائق يتم طبقا لما ادت اليه الوقائع المدروسة في العلوم ) وقد الف زولا تطبيقا لمبدئه السابق في واحد وثلاثين قصة طويلة تاريخ اسرة فرنسية متعاقبة الشخصيات هي اسرة روجون ماكار وقد انتهى في هذه القصص الى نتائج كان قد وصل اليها علم الوراثة لعصره ولا فرق بين الواقعيين والطبيعيين الا في المبدا الذي تمسك به زولا في الانتهاء في القصص الى نتائج ايدها العلم من قبل والمبادئ بعد ذلك مشتركة بين الواقعيين والطبيعيين على ان زولا نفسه يرى ان التجارب الادبية لا يمكن ان تؤيد نتائجها جميعا علوم العصر لان الظواهر الانسانية من التعقيد بحيث لم يتوصل العلم بعد الى الكشف عن كل اسرارها وحسب الكاتب ان يبرهن على خطر النتائج التي يصورها من الناحية الاجتماعية لينبه المجتمع الى اخطائه كيلا يقع في مثلها وليتلافاها في المستقبل ولهذا كثيرا ما يصرح الكتاب الواقعيون انهم طبيعيون اذ هم مشتركون في مبادئهم فيما عدا الفرق الدقيق الذي نبهنا اليه وهو فرق لا يتوافر في العمل الادبي الا اذا كان الكاتب قد تعرض لقضية قال فيها العلم من قبل كلمته 0

واول من تاثر باتجاه في العصر في الفن هو الرسام كوربية الذي دعا الى الواقعية في الرسم وان على الرسام ان يسجل مشاعره نتيجة لنظرة في امور مجتمعه والا يغيب عن ذهنه ان المجتمع هو موضوع الفن اذ الفن تعبير عن المجتمع من اجل المجتمع وقد نقل دعوته تلك الى مجال الادب صديقه شانفلوري في مجموع مقالات عنوانها ( الواقعية ) وبلغ بالدعوة قمتها زولا الذي تاثر ايضا بكتاب الطب التجريبي لكلودبرنار وكان لـ زولا فضل توضيح التجربة لاول مرة في الادب توضيحا يتمثل فيه روح العصر وقد فرق بين الملاحظة والتجربة فالملاحظة استخدام وسائل البحث لدراسة الظواهر الطبيعية كما هي دون تغييرها ,, والتجربة استخدام نفس وسائل البحث بقصد التغيير والتبديل للوصول الى غاية 00 فمثلا علم الفلك علم ملاحظة وعلم الكيمياء علم تجربة فملاحظة الكاتب للاحداث والطبيعة لا تكفي بل لا بد بعد ذلك من ترتيبها ترتيبا يوجه بها الكاتب الظاهرة التي يلحظها لتنتهي الى النتيجة التي يريدها وفرق بين القصة التجريبية والعلم التجريبي اذ لم يعرف بعد القوانين التي تتحكم في العاطفة ولا يستطاع تحليل الشعور كما يشرح الجسم ولكن زولا يدعوا مع ذلك الى الاستقصاء في الملاحظة التي تتوجها التجربة ويرفض زولا ان يكون القاص مصورا لا غير اذ يستحيل على الكاتب ان يقتصر على التصوير بدون التاويل والحيدة في الفن مستحيلة اذ لا بد للكاتب من التجربة أي اخضاع الحقائق لقانونها المتحكم فيها وبهذا ينير التجريبيون الطبيعة دون ان يخرجوا من حدودها فالفكرة التي يخضع الكاتب لها حقائق ليست تحكمية ولا خيالية محضة ولكنها عالمية غايتها التعريف بالطبيعة وبالمجتمع وهي تتيح للمؤلف ان يلحظ ويفهم ويخترع في ميدان حر فسيح وغاية التجربة الادبية كغاية التجربة العلمية ان يصير المرء سيدا مسيطرا على العالم لتوجيه ظواهره بغية تغيير القيم الاجتماعية الى ماهو افضل وايجاد مجتمع خير من المجتمع القائم عن طريق التوجيه ويقوم الكاتب في ذلك بأنبل الواجبات بكشفه عن مشكلات المجتمع وطرق العدالة فيه وبتصويره طرائق الجرائم والشر واسبابها لتلافيها وعلاجها 0 فالتجريبيون دعاة الخلق الانساني عن طريق التجربة 0

والتجريبيون يكرهون ان يختموا قصصهم بمغزى لها فليس لهم ان يظهروا عواطفهم تجاه ماهو نافع او ضار كما كان يفعل الرومانتيكيون فهم يعرضون في قصتهم التجربة الاجتماعية دون برهان او شرح او طابع شخصي في صورة من الصور ويكفي الكاتب عرض الحقيقة موضوعيا لينبه المجتمع والمشرعين الى خطرها كي يستنتجوا هم منها ما يشاءون ومن يبقى في خارج دائرة التجربة خاضعا لعواطفه معتدا بأنه مركز العالم فهو شاعر رومانتيكي لا فرق بين الرومانتيكين والتجريبيين في ان كلا الفريقين يدعو الى مثال 0 يقول زولا ( لاننا جميعا مثاليون أي نشغل بالدعوة الى مثال من وراء التصوير الفني التجريبي ) ولكن الرومانتيكيين يسلكون في الدعوة اليه مسلكا خياليا ذاتيا ضارا في حين يعمل التجريبي على توفير السعادة للانسان بتصويره الفني ليصبح فيما بعد سيد الطبيعة في مجتمع عادل والقصة التجريبية في ذلك بمثابة بحث لتصوير مشكلات الانسان والمجتمع ولذا كان على الكاتب ان يعرف كل ما اكتشفه العلم خاصا بالانسان والمجتمع ولا يحظر زولا على الكاتب ان يرجع الى عاطفته وعقله في كل مالم يقل فيه العلم كلمته الفاصلة 0

والواقعيون بعامة لا يحبون المبالغة في العناية بالاسلوب لانه وسيلة لا غاية والاهمية كلها للمنطق وللطريقة التي تسود ترتيب الاحداث والتعبير عنها 0

وجمهور الواقعيين هم العمال او البرجوازيين وكانت طبقة العمال لعهدهم قد وجدت اجتماعيا وتتطلب من يعبر عن امالها والامها وافاتها في القصص والمسرحيات 0

فاذا عالج اصحاب هذا المذهب موضوعات تاريخية في قصصهم ومسرحياتهم قاموا بإحياء دقيق للعصر بعاداته وملابسه وميول اخلاق على ان يتصل الموضوع التاريخي بقضية او مسالة من قضايا العصر ومسائله 0

وبفضل الواقعيين تمت للقصة نواحيها العامة الفنية كما استقرت في الاداب الحديثة جميعها وكذلك الشان في المسرحية 0

والواقعية الاشتراكية تقوم على اساس فلسفي مخالف للواقعية الاوروبية ولكنها تتفق معها في اكثر النواحي الفنية ومن اهم الفروق بينهما ان الواقعية الاوروبية واقعية نقدية تعنى بوصف التجربة كما هي حتى لو كانت تدعو الى تشاؤم عميق لا امل فيه في حين تحتم الواقعية الاشتراكية ان يبث الكاتب في تصويره للشر دواعي الامل في التخلص منه 0 فتحا لمنافذ التفاؤل حتى في احلك المواقف ولو ادى ذلك الى تزييف الموقف بعض الشيء 0

وظهر مما قلنا ان الواقعية في اسسها الفلسفية ونقدها الادبي لم تعن بسوى القصة والمسرحية وفي اعقاب الحرب العالمية الاولى ظهر في الواقعية الاشتراكية اتجاه جديد يرمي الى التزام الشاعر برسالة اجتماعية شانه في ذلك شان الناثر وصاحب هذه الدعوة هو مايا كوفسكي شاعر الثورة الروسية وعنده ان الشعر الغنائي ذو رسالة اجتماعية واقعية محددة والشرط الاساسي لانتاج الشاعر هو ظهور مسألة من مسائل المجتمع لا يتصور حلها الا بإسهام الشعر في حلها وفي هذا تحديد جديد لنوع التجارب في الشعر الغنائي 0 فقد سبق ان ذكرنا ان للشعر الغنائي غاية تحدد فيي ضوء الفلسفة العامة للمذهب الادبي كما هي الحال لدى الرومانتيكيين والبرناسيين والرمزيين ولكن التجارب في الشعر الغنائي على حسب مايا كوفسكي يجب ان تتجاوب مع الوعي الاجتماعي لجمهور الشاعر وفي مثل هذه التجربة لا يظهر الشاعر ذاتيا محضا بل يكون وعيه مراة للمجتمع وما يشغله من امور عامة وقد طبق مايا كوفسكي دعوته في شعره الحر وثار فيه على تقاليد الاوزان القديمة وحوالي عام 1935 م ظهر صدى الدعوة في فرنسا بين الشعراء الغنائيين الذين ضاقوا ذرعا بالقطيعة بينهم وبين جمهورهم واثر ذلك ظاهر في اتجاه عام في الشعر العالمي الحديث تمثل في اختيار نوع خاص للتجارب وفي الموضوعية وفي التعبير عن الوجدان الاجتماعي اما عن طريق وصف الموقف وصفا موحيا او في عنصر قصصي 0

وفي القصة و المسرحية اثرت الواقعية تاثيرا عميقا في الاداب العالمية في الاسس الفلسفية والقواعد الفنية وصاحبتها مذاهب اخرى لم تجدد كثيرا في الاسس الفنية وان جددت في الاسس الفلسفية تجديدا كبيرا 0

المذهب الرمزي

اما الشعر فسرعان ما خلف البرناسية فيه مذهب جديد هو المذهب الرمزي استقر في الاداب الاوروبية وهو اهم مذهب في الشعر الغنائي بعد الرومانتيكية وقد ترك اثارا عميقة في الشعر العالمي حتى اليوم 0

والرمز هنا معناه الايحاء أي التعبير غير المباشر عن النواحي النفسية المستترة التي لا تقوى على ادائها اللغة في دلالتها الوضعية والرمز هو الصلة بين الذات والاشياء بحيث تتولد المشاعر عن طريق الاثارة النفسية لا عن طريق التسمية والتصريح وللمذهب دعامة فلسفية في فلسفة ( كانت ) التي تفسح مجالا لعالم الافكار وتصرح بتعذر معرفة العالم الخارجي عن طريق صوره المنعكسة فينا والشعر الرمزي ذاتي ولكنه ليس ذاتيا في المعنى الرومانتيكي بل في المعنى الفلسفي أي البحث عن الاطواء النفسية المستعصية على الدلالة اللغوية والرمزيون كالبرناسيين لا يحفلون بسواد الشعب والناس بل يتوجهون الى الصفوة ولكنهم لا يستسلمون للالهام كما هو شأن الرومانتيكيين بل يؤمنون بالصنعة والاحكام واخضاع الخواطر الاولى لمفكر الفني قصدا الى السيطرة عليها عن وعي 0

والمذهب الرمزي رد فعل للبرناسية فالرمزيون يريدون ان يغوصوا بشعرهم في اعماق النفس فلا يجرون وراء صور الطبيعة للخروج من نطاق الذات وبينما صور البرناسيون صورهم الشعرية في صور تجسيمية ليربطوا بين الشعر والنحت والرسم , عنى الرمزيون بتوثيق الصلة بين الشعر والموسيقى التي هي اقوى وسائل الايحاء واقرب الى الدلالات اللغوية النفسية في سيولة انغامها فلا جمود في الصور عندهم ولكن السيولة هي المنشودة لتوليد الايحاء النفسي وقد تاثروا بالموسيقى الالماني فاجنر لتوليد الادراك الرمزي مما هو جوهري في موسيقى الشعر يقول فرلين في قصيدة له عنوانها فن الشعر :

عليك بالموسيقى قبل كل شيء 00 ثم بالموسيقى ايضا ودائما , وليكن شعرك مجنحا , حتى ليحس انه ينطلق من الروح عابرا نحو سمات اخرى 00

ومن وسائلهم الفنية في ذلك الافادة من تراسل الحواس فتعطى المسموعات الوانا وتصير المشمومات انغاما وتصبح المرئيات عاطرة لتوليد احساسات تغنى بها اللغة الشعرية ولا تستطيع اللغة الوضعية التعبير عنها ورائدهم في ذلك بودلير في قصيدته التي عنوانها تراسل وفيها يقول :

الطبيعة معبد ذو عمد حية , وتنطق هذه العمد احيانا ولكنها لا تفصح ويجوس المرء منها في غابات من رموز تلحظه بنظرات الفته وتتجاوب الروائح والالوان والاصوات كأنها اصداء طويلة مختلطة تتردد من بعيد لتؤلف وحدة عميقة المعنى مظلة الارجاء , رحيبة كالليل , وكالضوء 000

ويعبر عن نفس المعنى بودلير ايضا في قصيدة اخرى :

ياللتحرير الصوفي لجميع مشاعري المقابلة في شعور واحد !! لتكون انفاسه الموسيقى ويكون صوته العطر )

وبتراسل الحواس يتحول العالم الخارجي الى مفهومات نفسية فكرية ويتجرد من بعض خواصه المعهودة ليصير فكرة او شعورا وذلك ان العالم الخارجي صورة ناقصة لعالم النفس الاغنى والاكمل 0

وهكذا كان يلجأ الرمزيون الى نقل صور العالم الخارجي مو مواطنها المعهودة في شبه تهويش فكري ليوحوا بمشاعر غريبة لا تبين عنها دلالات اللغة وضعا على نحو ما يعبر عنه رامبو 0

ومن مبادئهم كذلك اللجوء الى الصور الشعرية الظليلة يحددون بعض معالمها ليتركوا الاخرى تسبح في جو من الغموض الذي لا يصل الى الالغاز كما يقول فرلين في قصيدته ( احب شيء الي هو الاغنية السكري 0 حيث يجتمع المحدد الواضح بالمبهم اللامحدد ) 0 والاهمية الاولى للظلال لا الالوان ( كما تتراءى العيون الساحرة من خلف النقاب )

ويلجا الرمزيون الى الالفاظ المشعه الموحية التي تعبر في قرائتها عن اجواء نفسية رحيبة كلفظ الغروب الذي يوحي في موقعه مثلا بمصرع الشمس الدامي والالوان الغاربة الهاربة والشعور بأن شيئا يزول والاحساس بالانقباض وما اليها 0

ويولع الرمزيون بتقريب الصفات المتباعدة رغبة في الايحاء كذلك مثل السكون المقمر و الضوء الباكي و الاسماك الفضية و القمر الشرس والشمس المرة المذاق وكل تعبير منها في موضعه مشع موح بألوان الايحاءات النفسية 0

والرمزيون هم اول من دعا الى تحرير الشعر من الاوزان التقليدية لتساير الموسيقى فيه دفعات الشعور فدعوا الى الشعر المطلق من التزام المقافية والشعر الحر من الوزن والقافية وفي داخل القصيدة الواحدة تتنوع موسيقى الوزن على حسب تنوع المشاعر وخلجات النفس وتطابق الشعور مع الموسيقى المعبرة عنه وهو ما يؤلف وحدة القصيدة الحقة والوزن التقليدي الرتيب يخل بهذه الوحدة 0

ويبغض الرمزيون اللهجة الخطابية بوسائلها التقليدية من احالة وتهويل لانها تنافي التعمق في تصوير المعاني النفسية الخبيثة في حنايا النفس 0

ويلعب عالم العقائد والغيب دورا كبيرا في الصور الرمزية وفيها يختلط الشعور بالاشعور وعالم الاشباح والارواح بعالم الناس للايحاء بمعالم نفسية دقيقة متأرجحة بين الابانة الخفاء ويلقى الشاعر عليها اضواء تنفذ الى جوانب منها ولا تستوعبها 0

وقد وضح من هذا الموجز في الرمزيو انها ليست كما فهم بعض شعرائنا فيما يظهر من انتاجهم تشبيها حذف احد طرفيه مع الاسترسال فيما يخص الطرف الثاني ولكنها تعمد الى تعبيرات وصور جزئيات تتعاون في بنية القصيدة لتشف عن صورة نفسية دقيقة مستعصية تستثير ادق خبايا النفس وتتعاون فيها الوسائل الفنية السابقة كلها 0

وقد نجح المذهب الرمزي في الشعر وكان ذا اثر عميق فيه عند من افادوا من وسائل الايحاء الفلسفية ولم يسيئوا استخدامها بالذهاب الى جد الالغاز فيها 0


اما في المسرح والقصة فقد كان نجاح الرمزية ضيئلا محدودا ومن ابرع من نجحوا في المسرحيات ماترلنك البلجيكي وفي القصة كافاكا التشيكي الذي كان يكتب بالالمانية 0







لا تنسوني من خالص دعواتكم

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jazan.lolbb.com
 
ملخص الادب المقارن .
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى طالبات جامعة جازان :: منتدى الملتقيات الجامعيه :: ملتقى كلية الاداب والعلوم الانسانيه-
انتقل الى: